بئر أطلانتس ،،، أسطورة ،،، و شيء من الحقيقة

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

عند زيارتي لليبيا الحبيبه منذ 3 سنوات وبعد غياب عن البيت سنتين متواصلتين  و أول ما أستفردت بنفسي في بيتنا هرولت مسرعا لغرفتي التي قامت والدتي العزيز ( عمتكم روزاليا ) بأغلاقها حتي لا يقوم أحد بالعبث بمحتوياتها و لا أريد أن أحدثكم عن تلك الرحله التي عبرت كل أروقت الزمن لدي عندما قامت تلك المركبتين المدعوتين بالعينين و قامتا بالتسابق من ركن الي آخر و من زاويه الي أخري تتراجع مع كل نقله أبواب الزمان والمكان لأسترجع لحظات من أروع و أجمل لحظات عمري و في أخر المطاف أستقرت تلك المركبتين أخيرا علي مكان أحبه كثيرا و أقدسه بشكل كبير فقد وقفت أمامه لساعات و ساعات أفكر أي عالم أريد أن أرحل معه و مع صاحبه ( أقصد المكتبه و الكتب و الكتاب ) عالمي الخاص جدا و مجموعه الكتب خاصتي تتمايل علي رفوف مكتبتي الكبيره و التي تتثاقل علي تلك المكتبه الكبيره لدرجة ألتوائها و أنحنائها من وقع وزن الكلمات وليس الكتب نفسها كان لوالدتي الدور الاكبر في وضع هذا الكم الهائل من الكتب في صومعتي ( حجرتي الخاصه ) لانها ضاقت درعا بما أجمع و أقتني من كتب تثقل عاهل باقي مكتبات البيت و رفوفهم لدرجه أنها قامة بعمل قمه في الغرابه ( لوحتهملي في جنان الحوش ) هههههههه وقالت وهي غاضبه تلعن هذه الهوايه التي تملكني ..( أنس شد عليا كتاباتك غادي عوجولي المكتبات متاع الحوش كلهم ، خلاص دبر، دير فيهم حل خلاص فاض بيا و مليت منك و من كتاباتك ورواياتك .. يا أشري مكتبه حطهم فيهم يا حطهم في صناديق منبيش نشوفهم في دارك حايسات بالشكل هذا!! ) .. ههههههه فقد أعتدت أن لا أنام قبل قرأة كتاب أو روايه و لفت نظري ذلك العدد الكبير من الروايات التي أملكها للكاتب الليبي ( أبراهيم الكوني ) ولم أعلم أني من عشاقه إلا بعد أن مرت عيناي علي الرفوف فقد تراصت بمجموعه كامله من كتبه و رواياته علي رفوف مكتبتي وبعض الكتب التي كنت أضعها تحت سريري ههههههههههههه نعم لا تستغربو هذا فقد يغلبني النعاس و أنا أطالع كتاب فيسقط مني ليتدحرج تحت السرير ليختبأ مني لانه مل وجهي العابس بسبب تكرار قرائة بعض الرويات أكثر من مره هههههههههههه ..

و أول أسم خطر في بالي عند رؤيتي هذه الرويات المتراصه هو أخي العزيز ( أحمد ) الذي  ( مروجتله كبيدته ) بأبراهيم الكوني و رواياته التي يمزج فيها بين القصه و الاسطوره و المواقف و ينقلك من حرف الي حرف و كلمه الي أخري بسلاسه غريبه و أحد هذه الاساطير الليبيه الجميله جدا هذه الاسطوره عن بئر أطلانتس فختطفت روايتين من المكتبه أولها ( البئر .. خماسية الخسوف ) و مجموعه قصقصيه رااائعه جدا بعنوان ( القفص ) و سأتابع معاكم سرد هذه المجموعه تباعا كل ما يسنح لي الوقت للكتابه فكلها قصص تستحق أن تجد من يلقي نظره متفحصه عليها و لن أجد أحد يهتم بهذا الجانب أكثر من أخوتي في هذا المنتدي الرائع لأهديهم هذه المجموعات القصصيه الرائعه …
و سأبدأ من أسطوره رائعه موجوده في رواية خماسية الخسوف الجزء الاول ( البئر ) أستوقفتني كثيرا أحداثها و أسمائها و ستعرفون بعد أنتهائي من السرد ما أعني بكل هذا الكلام و من الممكن أن أكون مخطأ و قد أكون أصبت كبد الحقيقه فلندع هذا لأخر النقل أخوتي الان لأنقلكم لعالم مسحور مليء بالاسرار عالم الاساطير …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(( كانت تانس مع أخيها أطلانتس ضمن الفتيات الثلاث اللاتي أبتلعهن الخلاء و ضعن في الصحراء مع إخوتهن في ذلك الزمان القديم . بحث الاهل عنهن وعن أشقائهن الصغار شهوراً كاملة فلم يعثروا علي أثر ، وعندما يئسوا لملموا خيامهم و رحلوا . أنتقلوا إلي صحارى أخرى بعيدة بحثاً عن الربيع و الأمطار و كلأ المواشي كما تعودوا أن يفعلوا دائماً في مثل هذه المواسم .

ولكان الفتيات أهتدين إلي البيوت بصحبة أشقائهن فلم يعثروا إلا علي الرماد . فآثار الرحّل في الصحراء لا يمكن الاهتداء إليها إلآ ببقايا الرماد .

جلست الفتيات بين بقايا الرماد يندبن ويبكين أياماً كاملة حتي أشارت عليهن تانس بأن السعي في الأرض بحثاً عن الأهل هو البديل .

أنطلقن في الصحراء الهائلة حتي قيّد الجوع أرجلهن أعمى بصرهن فاقترحت أمريس همساّ حتي لا يسمع إخوته الصغار :
- لم أعد أقوي علي المشي . لا بد أن نسد رمقنا بشيء . ليس أمامنا إلآ أن نذبح أخوتنا !
وافقتها تالا ، و رفضت تانس . قالت :
- أموت جوعاً ولا أذبخ أطلانتس .

وعندما هجم الليل قبلته في رأسه ، و احتضنته بين ذراعيها و حاولت أن تنام عندما سمعت حشرجة مكتومة ، نهضت مفزوعة فرأت أماريس تقف وفي يدها سكين يلمع تحت ضوء القمر فعرفت أنها قد نحرت شقيقها . ثم قامت تالا و تناولت السكين و همت بنحر شقيقها الذي جثا أمامها و سمعته يقول متضرعاً :
- لا تذبحيني . أنتظري . سوف نبلغ الواحة . و ربما أدركنا أهلنا قريباً . سوف نشبع من لحم الغزلان و الودان و الطيور البرية .. و سوف نرقص في أمسيات السمر الليلية كما تعودنا . و عندما تنضجين و تتزوجين الأمير القادم من (( تامنغست )) سأدعو مائة فارس يرقصون في عرسك علي المهاري البيضاء المزينة بسيور الدلد الملونة ، و آتي لك من الأدغال بأساور الذهب و الحلي و ريش النعام .. لا تذبحيني …

ولاكن تالا أسكتته بأن وضعت السكين في رقبته فأصدر أنيناًَ طويلاً أليماً .

أسرعت تانس تلتصق بأطلانتس و تحيطه بجسدها كأنها تحميه من السكين الرهيب الذي يلمع تحت ضوء القمر .

في الصباح قدمتا لها قطعتين من لحم أخويهما ، و لكن تانس لم تأكل اللحم ووضعت القطعتين ، خلسة ، في الجراب .

ثم واصلن مسيرتهن .

وعندما حل المساء ، وركنّ للراحة بدأت تانس تتعشى بالأعشاب البرية م أطلانتس . أتقربت منها تلا و قالت :
- لقد جعنا مرة أخرى . ليس أمام يا تانس إلآ أن تذبحي أطلانتس .
قالت تانس في فزع :
- لن أفعل !

قامت أماريس و صفعتها علي وجهها قائلة :
- أخرك ليس أفضل من أخوينا . لقد أكلت قطعتين . قطعة من أخي .. و قطعة من أخ تالا . هيّا .. عليك أن تعطينا الآن قطعتين من اللحم كما أعطيناك .. كل شيء بمقابل !

أخرجت تانس القطعتين من جرابها و قدمتهما لهما .

تضاحكت تالا و قالت بخبث :
- هل صدقت ؟ لقد كنا نمزح . اطمئني .. سوف لن نطلب منك ذبح أطلانتس مقابل القطعتين .

أنطلت الخدعة علي تانس هذه المرة و أكلت القطعة بعد أن قدمت الاخري الي شقيها الحبيب أطلانتس .

في الصباح واصلن المسيرة .

وعندما حل المساء عادتا تطالبانها بالقطعتين ، ولما أصرت علي ألا تذبح أطلانتس ضربتاها و شداتا شعرها و دفنتا وجهها الساحر الجميل في التراب دون أن يتسطيع أطلانتس الصغير المسكين أن يقدم لها المساعدة . و عندما فاض بها العذاب و افقت أن تمنحهما القطعتين . قالت أماريس في فرح :
- إذن سوف تقومين بذبح أطلانتس !
- لن أذبح أخي .
- وكيف ستريدن لنا القطعتين ؟
- سوف ترين .

تناولت السكين و قطعت قطعة لحم من فخذتها اليمني و قطعة أخرى من فخذتها اليسري و قدمتهما لهما ,

وربطت جراحها بقطعة من جلبابها ثم قررت أن تفارقهما إلي الابد .

واصلت تالا و أماريس مسيرتهما في طريق ، وواصلت تانس المسيرة في طريق آخر .. عجرجر رجليها المثخنتين ، المخضبتين بالدماء ، يسندها حبيبها الصغير أطلانتس حتي أبتلعهما الرمل الذي تمدد أمام البصر إلي ما لا نهاية .

بعد رحلة أيام اهتدت تانس إلي واحة صغيرة تقوم فيها نخلة باسقة فوق بئر ماء . مكثت هناك أياماً وشهوراً تقتات – مع أطلانتس – علي التمر و تشرب الماء حتي جاء يوم رأت فيه قافلة كبيرة يتقدمها فارس نبيل يبدو من مظهره أنه أمير .
سارعت تتسلق ، مع أطلانتس ، شجرة النخيل و تجلس بين أغصانها . رأي الامير وجهها الساحر في صفحة ماء البئر فأذهله جمالها و صاح يخاطب أتباعه و عبيده :

رأي الأمير وجهها الساحر في صفحة ماء البئر فأذهله جمالها و صاح يخاطب أتباعه و عبيده :
- هذه الحسناء . التي يعكس وجهها الماء ، ستكون زوجتي .. حتى لو كانت في السماء . حتي لو كانت في الحلم .. حتي لو كانت وهماً . لقد عقدت العزم علي أن تكون زوجتي إلي الابد .

وخاطبته تانس من فوق النخلة الفارعة :
- لن تتزوج تانس حتي يكون لأخيها أطلانتس جمل أبيض ضامر … و سيف من ذهب .
- لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .
- لن تتزوج تانس حتي يكون لحبيبها أطلانتس سرج مطرزّ بخيوط الذهب و الفضة .
قالت تانس .
-لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .
- لن تتزوج تانس حتي تضع تحت تصرف أطلانتس مائة من العبيد و عشرة من الأتباع .
قالت تانس .
- لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .
- لن تتزوج تانس حتي تضح تحت تصرف أطلانتس قافلة من النوق و الجمال و الرعاة .
قالت تانس .
- لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .
- لن تتزوج تانس حتي تتأكد أن أطلانتس سيظل بجوارها و لن يفارقها أبداً .
قالت تانس .
- لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .

عندها نزلت تانس من فوق النخلة مع أطلانتس و قبلت أن تتزوج الأمير الذي قرر أن يستوطن تلك الواحة ، فأمر أتباعه و عبيده أن يغرسوا النخيل ، و يشيدوا البيوت ، و يزرعوا القمح و الشعير .

وعاشت تانس مع زوجها سعيدة . يرافقها حبيبها أطلانتس في رحلات الصيد في الخلاء .. يصطادون في الحرث الغزلان و الوعول البرية و الطيور ، يجلبون الكمأ في مواسم الامطار . و يسهمون في الحرث و الزراعة في الواحة أثناء الفراغ .

ولكن سعادة تانس لم تدم طويلاً . فقد التحقت بالأمير زوجته الأولي برفقة أمها في قافلة من الجمال و العبيد . و كانت امرأة شريرة حاقدة ما لبثت أن كرهت تانس و حسدتها علي جمالها الاسطوري . وشرعت تحيك ضدها المؤامرات و قد تعود الناس أن يأتوا إلي تانس في الليالي المظلمة ، و يركعون تحت أقدامها و يتوسلونها قائلين :
- يا تانس ! أكشفي عن وجهك ، و أضيئي لنا الليل البهيم . إننا نريد أن نحلب النوق علي ضوء وجهك الذي ينافس البدر !

فتزيح تانس اللفحاف عن وجهها الساحر و تنير الصحراء بجمالها فأثار ذلك زوجة الأمير الكريهة و قررت أن تدبر مؤامرة تتخلص بها من تانس بعد أن نهشت الغيرة قلبها . هجمت عليها مع أعوانها في إحدي الأمسيات و هي عائدة من حصاد الزرع ، و أوثقتها بالحبال و شدت شعر رأسها إلي صخرة هائلة ألقت بها في واد سحيق . و عادت إلي البيوت و جلست مكان تانس بعد أن لبست ملابسها و التحفت بلحافها . و عندما جاء الليل أقبل الناس وركعوا تحت أقدامها و توسلوها كما تعودوا أن يفعلوا :
- يا تانس ! اكشفي عن وجهك ، وأضيئي لنا الليل البهيم . إنننا نريد أن نحلب النوق علي ضوء وجهك الذي ينافس البدر !

ولكن المرأه الخبيثة رفضت أن تكشف عن وجهها لأنها تعرف أنها لا تستطيع أن تضيء به ليل الصحراء مثل تانس . أستغرب الناس ولكنها تذرعت بأن صحتها ليست علي مايرام . جلس بجوارها أطلانتس كما تعود أن يفعل في الأمسيات فشرعت تقرصه و توخز عجيزته بإبرة حادة فدهش و أحتج و أعلن للناس أن هذه المرأه ليست تانس . و لما لم يصدقه أحد قامت المرأه اللئيمة و قالت انها لم تعد في حاجه إلي أطلانتس المدلل و عليهم أن يتخلصوا منه حالاً . استغرب الناس . وأقبل الأمير و توسلها قائلاً :
-اعقلي يا تانس . لا يمكن أن تملّي حبيبك الصغير هكذا بين يوم و ليلة ، بعد كل ما فعلتيه من أجله .

ولكن المرأه الليئمة أصرت قائلة :
- لقد مللته و قررت أن أتخلص منه . عليكم أن تفعلوا ذلك أمامي الآن !

هم الناس بتنفيذ الإعدام في أطلانتس .
ولكن أطلانتس الذي شك منذ البداية في أمر هذه المرأه توسل قائلاً :
-سمحوا لي أن أنادي ثلاث مرات . ولتكن هذه رغبتي الاخيرة قبل تنفيذ حكم الموت .
- لك ما أردت .
قال الأمير .

وقف أطلانتس فوق المرتفع و نادي بأعلي صوته :
- تانس ! تانس ! إن أطلانتس في طريقه إلي المذبح !

فأجابه صوت تانس من الوادي كأنه يأتي من بئر عميق :
- وماذا تستطيع تانس أن تفعل لأطلانتس إذا كان رأسها مشدوداً إلي صخرة ، وصدرها يرزح تحت صخرة أخري !

فهرع الناس يتقدمهم الأمير إلي الوادي ، و خلصوا تانس من أسرها و نجا أطلانتس من حكم الموت . وضع الناس الحكم علي المرأة المجرمة في يد تانس فأتت بجوادين يركبهما معتوهان ، شدت رجل المرأة اليمني إلي جواد ، و رجلها اليسرى إلي الجواد الأخر ، و انطلق الجوادان في اتجاهين متعاكسين فتمزقت المرأة إلي نصفين ، دستهما تانس في وعاء كبير و بعثت به إلي أم المرأة .

ولكن الأمير أيضا بدأ يشعر بالغيرة من أطلانتس ، فاستدرجه لإحدى رحلات الصيد و أوثقه إلي شجرة طلح و تركه في الصحراء فريسة للذئاب المفترسة و عاد إلي تانس و ادعي أنه ضاع في الخلاء . ولكن تانس التي أحست بمشاعر زوجها نحو شقيقها جمعت الاعوان من الاتباع و العبيد و خرجت تبحث عنه في محيطات الرمال المجاورة . أدركته قبل أن تهاجمه الذئاب ، ولكن العطش كاد يفتك به .

عادت تانس إلي البتوت و قررت أن تنتقم من الامير الذي خدعها و حاول أن يسلبها أطلانتس ، فاقترحت عليه أن تحلق له شعره . ولكنها بدل أن تقطع شعره قطعت رأسه !

نصبت تانس نفسها أمرية علي الواحة التي بدأت تنمو و تكبر و تصبح مركزاً لتجار القوافل الذين يفدون من مدن الشمال في طريقهم إلي أدغال القارة محملين بالأقمشه و الملح و التوابل و الدقيق لمقايضتها بالذهب و ريش النعام و سن الفيل و الاحجار الكريمة و جلود الزواحف والحيوانات .

ازدهرت الواحة الصغيره و كبرت حتي أصبح يطلق عليها (( جوهرة الصحراء الكبرى )) .

وكان أطلانتس قد ولع بالصيد حتي لم يستطيع أن يبقي يوماً واحداً في الواحة . يحمل أمتعته علي جملين أو ثلاثة و ينطلق إلي العراء في الصحراى المجاورة ويمكث هناك أياماً و أسابيع تمتد حتي الشهر أحياناً ، يتسلي بصيد الودان و الغزال و الطيور . وفي إحدي الرحلات غاب أطلانتس ما يزيد علي الشهر فقلقت تانس و أرسلت الأغوان للبحث عنه و لكنهم عادوا بعد أيام دون أن يعثروا له علي أثر .

أنزعجت تانس و أنطلقت نفسها في موكب من العبيد و الاتباع يبحثون في الصحاري طولاً و عرضاً حتي وجدته تحت سدرة ضخمة ميتاً من العش بعد أن تاه في محيط الرمال العظيم .

حزنت تانس و بكته أياماً و أسابيع ، وعندما دفنته ركعت فوق قبره علي ركبتيها و فاضت آلامها و قالت في بكائيتها الشهيرة :
(( أحببتك كما لم تحبك أمك التي ولدتك ، أطعمت تالا و أماريس قطعاً من لحمي حتي لا تنهشان لحمك .. احتضنتك بين ذراعي عندما كنت اشرف علي الموت جوعاً دون أن يخطر ببالي أن نمس بأذي كما فعلت تلا و أماريس بأخويهن . تزوجت الأمير بعد أن نفذ شروط حصولك علي ماشئت من أدوات الفرسان و النبلاء . و مزقت زوجته إلي نصفين لأنها أرادت أن تنفذ فيك حكم الموت . و قطعت رأس الأمير لأنه ألقاك للذئاب و أراد أن يفتك بك . فعلت كل شيئ من أجلك . وعاقبت كل من سولت له نفسه أن يمسك بسوء ، ولكن الصحراء غلبتني ، وانتزعتك مني . فتبا لكِ ايتها الصحراء الكبرى .. ما أقساكِ ! ولكن أقسم أنني سوف انتقم لك من الصحراء أيضاً . فاهناً في نومك الأبدي ، لأنه لن يهدأ لي بال حتي تغمر المياه رفاتك في القبر .. و قتها تستطيع أن تقول أن تانس قد وفت بوعدها )) .

ويقول الأولون أن تانس عادت إلي الواحة في ذلك اليوم و اجتمعت بتجار القوافل و أرسلت في طلب المنجمين و العرافين و خبراء الفلك و قراء الغيب وذوي العلم من كل أنحاء الأرض ، من سواحل الشمال البعيد شمالاً و من ما وراء نهر النيجر جنوباً ، و من تمبكتو غرباً حتي وادي النيل شرقاً و قد وعدت أن تجزل لهم العطاء ، و حملتهم بأكياس الذهب و الاحجار الكريمة و قطعان المواشي جزاء من يستطيع أن يدبر لها أمر قهر الصحراء بتفجير منابع الماء وفاء بوعدها لحبيبها أطلانتس .

وقد جاءها الرسل و الخبراء و المنجمون و قراء الغيب و ذوو العلم من جهات الدنيا الأربع طمعاً في المال و جرياً وراء بريق الذهب فجمعتهم و قالت لهم :
- (( قررت أن أغزو الصحراء الكبرى بالماء . و أريدكم أن تدلوني ، بعلمكم و خبرتكم علي المكان الذي يصلح لأن يكون نبعاً يروي عطش محيط الرمال ، و يجعل منه جنة خضراء . لا بد أن تتحول قارة الصحراء إلي جنة خضراء )) .

وعدوها خيراً ، وطلبوا مهلة للتشاور و أستشارة الغيب و النجوم و الكواكب الأخري و أجمعوا علي أن يتم الحفر في نقطة تبعد مسافة شهر و نصف شمال الواحة ، تحت الجبل ، و أكدوا أن تلك النقطة هي قلب العالم و مركز الكون كما حدثتهم الكواكب و النجوم ، وقال أحد المنجمين القادمين من بلاد الهند البعيدة أنه قرأ ذلك في صفحة وجهها الساحر المرتبط بأجمل كوكب هو القمر برباط خفي لا تعلمه إلا النجوم ، و تنبأ لها بأن المياه سوف تتدفق و تغمر الدنيا طالما بقي وجهها يدب و يسطع فوق سطح الارض . ولكن المياه سوف تختفي باختفائها من الوجود ، و مقاومتها هي تحد لإرادة الآلهة لأنها ظلها علي الارض ، و لا تسمح بتحدي إرادتها إلآ لمن أصطفت و أختارت و نفخت فيه من روحها من دون الكائنات الأخرى .

إنطلقت تانس علي الفور إلي المكان الذي حدده العرافون و قراء الغيب ليكون مصدراً للنبع الذي سيغمر الصحراء الهائلة بالماء و الحياة ، و أمرت رعاياها بالحفر ليلاً نهاراُ بلا توقف . ابنثقت المياه بعد عام من الحفر المستمر ، و تدفقت عبر الصحراء ، تكتسح السهول الجرداء و تغمر الرمال القاحلة ، و تغزو البيداء الأبدية ، فتكونت الأنهار ، و انتشرت البحيرات ، و نمت غابات الكروم و الزيتون و العنب و كل انواع الفواكه ، و نبتت المزروعات و الاعشاب والاستوائية الخضراء و بدت السهول المكسوة بالخضرة مثل بسط من السجاد العجمي الاخضر ، فارتوى رفات أطلانتس ، و ارتوت معه أعماق الصحراءالكبرى العطشى منذ قرون و قرون و قرون .


تنفست تانس الصعداء و قالت في نفسها :
- (( الآن أستطيع أن أقول لأطلانتس أنني وفيت بوعدي ، و سقيت رفاته ، و انتصرت علي الصحراء القاسية التي انتزعته مني وهو في عنفوان شبابه )) .

ولكن تانس الجبارة لم تكتف بتفجير النبع الذي يخترق الآن الصحراء بالأنهار والمستنقعات ويغمرها بالبحيرات و الأدغال . فبعد أن أطلقت علي البنع أسم (( أطلانتس )) قررت أن تشيد المدن و تبني الجسور و السدود ، و تصل الواحة بالنبع في مدينة واحدة هائلة . وقد استطاعت أن تجعلها مركزاً لمضارب التجار ، و تبادل البضائع ، و تجارة الرقيق و الذهب و الاحجار الكريمة و التوابل و الصناعات و الجلود . فازدهرت المدينة و شيدت القصور و البيوت ذات المعمار البديع ، و أصبح يرتادها العلماء و الخبراء و المنجمون من كل أنحاء الأرض .. و امتدت المدينة من نبع (( أطلانتس )) حتي الواحة متواصلة علي مسافة شهر و نصف و أطلقت عليها أسم (( أطلانتيدا )) الأفاق ، و جاء الناس من وراء البحار والأنهار و المحيطات بعد أن أصبحت منارة للعلم و الحضارة و قبلة لكل من ينشد العلم أو يتوق للمعرفة ، و أصبح يقال بأن أطلانتيدا هي جنة الله علي الأرض ، و من لم يزرها فأنه لم يعش في هذه الدنيا ، فتقاطر عليها الناس من كل صوب حتي كبرت و أتسعت و أمتدت حدودها حتي المحيط غرباً و ما وراء النيجر جنوباً و البحر شمالاً و نهر النيل شرقاً . وقد جعلت للنساء سلكة علي الرجال الذين لزموا البيوت فتلثموا خجلاً في حين قاتلت النساء و جئن بالأسرى .
أخضعت الملكة تانس بجيشها القوي الجبار الأمصار و الأقطار ، الشعوب و القبائل ، البعيدة و القريبة . و تربعت علي عرش الامبراطورية أربعين عاماً .

وعندما ماتت حدثت حركة غريبة في نظام النجموم ، و قادت الكواكب الأخري حملة ضد القمر ، فحدث ما يسمي بـ (( الخسوف )) لأول مرة كما يؤكد المنجمون من أهل الخبرة و العلم ، فهبت الأعاصير العاتية و العواصف المحملة بالغبار كنتيجة لصراع الكواكب بعد أربعين يوماً بالضبط من وفاة سليلة القمر تانس العظيمة ، و استمرت العواصف و الرياح أربعين يوماً بلا أنقطاع ، حتي غمرت الامبراطورية كثبان الرمال ، و أغرقت الغبات و الأنهار و المدن بموجات هائلة من الاتربة المتصاعدة ليل نهار ، و أبادت المواشي و قطعان الإبل و الحيوانات البرية ، و دمرت المعمار فهرب السكان طلباً للنجاة من طوفان الرمال . لجأوا إلي المدن البعيدة المجهولة وراء البحار و المحيطات . وعادت الصحراء تزحف علي الصحرا ، قاسية ، متجبرة ، متسلطة ، تسيطر علي الدنيا كما في سابق عهدها و اندثرت (( أطلانتيدا )) منارة العلم و الحضارة . و بقي (( بئر أطلانتس )) رمزاً بائساً لهذه الحضارة الخرافية التي لمعت فجأة و أنطفأت فجأة . و ظل البئر ملجأ للرعاة و عابري السيبل ، تنزح مياهه فهياجرون إلي الواحات المتناثرة هنا و هناك ، تطفو المياه فيعودون إليه ، و يقيمون حوله دون أن يجدوا تفسيراً لظاهرة اختفاء المياه التي تحدث ، حسب مما تتناقله الأجيال ، كل ثلاثمائة عام . و يؤكل البعض في قصصهم أن لاختفاء المياه في البئر علاقة مباشرة بعدد مرات التي يحدث فيها خسوف القمر في العام الواحد . أما قارة (( أطلانتيدا (( العتيدة فقد اختفت بعيداً في جوف الارض ، بعد طوفان الرمال الرهيب .

النهايــــــــــه .. f3.gif

* أحد مواضيعي في منتدي أويا ,,,

الوسوم: , , ,

3 من التعليقات لـ “بئر أطلانتس ،،، أسطورة ،،، و شيء من الحقيقة”

  1. نزار قال:

    حتى تعبيراتك في هذه التدوينة تدل على تأثرك بكتابات ابراهيم الكوني

  2. iAnas قال:

    هل هذا عيب يانزار؟

    بالليبي ،،، أريتني نكتب حتى واحد علي الف من طريقة كتابة الكوني .. تي شنو ربي ماعطاني كاني نكتب بأسلوبه !!!

    أصلا يانزار كلنا نتأثرو بالي نحبوهم من كتاب و طبعا لكل واحد أسلوبه بعدين بس في الاساس تتعلم من أسلوب ناس أنت تحبهم و بعدين تصقل هوايتك و يبدي عندك أسلوب خاص .

    سلام

  3. احمد قال:

    السلام عليكم انس
    كيف حالك انشالله طيب انا احمد صديقك العزيز شن اخبارك
    والله راك عل البال على فكرة قاعد متعلق بى ابراهيم الكونى وشريت رواية عشب الليل ممتعة فى قرائتها اتمنى انى نشوفك على ارض الوطن عما قريب مشتاق لرؤيتك والله توصل بالسلامة ومتنساش ان انتظرك

إكتب تعليقك