هكذا تكلم يوماً الصادق النيهوم!
27 نوفمبر, 2008
الاديب الليبي ( الصادق النيهوم ) ،،، عندما أسمع هذا الاسم أشعر برتعاشة في أطرافي ، ليس خوفا ولا رهبة ولاكن تحصرا علي مبدع و كاتب و مفكر ترك بصمة في تاريخ الادب الليبي و العربي و حتى العالمي , من خلال كتبه التي تم ترجمتها للعديد من اللغات العالمية و دراساته التي كان لها السبق في أسلوب الطرح و الموضوع … كتب في الادب و في السياسة و الدين و ترك بصمته التي سبق عصره و أوانه بسنوات كثيرة …
هكذا تكلم وبصوته عن ( الاثر الفني ) …
وهكذا كتب بقلمه عن الكثير من أمور حياتنا ، و بأسلوبه و فلسفته التي سبقت عصره و تخطته بمراحل ،،،
( تستطيع تحميل هذه الكتب علي شكل ملفات PDF ) فقد رفعتهم علي موقعي الخاص حتى يسهل تحميلهم …
بعض مما كتب بقلبه قبل عقله ,,,
- ( فعن الجهل قال … )،،،
- الطفل يتعلم في حصة الحساب أن تفاحة زائد تفاحة لابد أن تساوي تفاحتين ، لكنه غالبا يحتاج إلى سنوات طويلة من ممارسة الواقع لكي يتعلم أن مائة طوبة زائد مائة طوبة لا تساوي مائتين بل تساوي بيتا جاهزا للسكن ،إننا لا نجمع الأشياء لكي نكومها عبثًا في كوم واحد بل لكي نؤدي بها غرضًا حياتيًا خاصًا ، ومن الخطأ أن نتصور بعد ذلك أن الحياة نفسها لا تفهم مثلنا في تأدية الأغراض .
- الجاهل مثل ساعة مليئة بالأوساخ – تشير عقاربها عادة إلى منتصف الليل فيما يتناول الناس إفطارهم في الصباح – إنه يعيش متأخراً بضع سنوات وأحياناً أيضاً بضعة قرون دون أن يهمه بالطبع أن العالم من حوله لا يتحرك طبقاً لتوقيته الرديء ، إنه شبح من مذبحة الماضي وراء قناع مواطن معاصر . جزيرة تائهة أو قارة بأسرها تائهة تتسكع في عصر منقرض وتراقب عصرنا بازدراء مستعدة لأن تعلق في عنقه أية تهمة تخطر ببالها بمجرد أن يتجرأ على إبداء شخصيته المختلفة ، إن الجاهل حارس مقبرة غير مرئية .
- الجاهل لا يبيع بضاعته بالمنطق بل بالشعر وحده ، إنه لا يقنعك بفكرته بل يغريك بها ، وإذا رفضت إغراءه يلجأ إلى ( تهديدك ) وإذا رفضت تهديده انقطعت علاقته بك عند هذا الحد ، إنه لا يجيد استعمال الرباط الفكري ولا يعرف كيف يحشر يده داخل دماغك لكي يقنعك بحجته لأن هذه المعجزة لا تتم بدون ( الإقناع المنطقي ) ولأن الإقناع المنطقي آخر بضاعة في حانوته المعبأ بالأشعار ، فإنه عادة ينفض يديه منك بأن يقطع رأسك أو يكرهك في الخفاء . إن الجاهل لا يستطيع أن يسلك طريق النقاش المنطقي دون أن يفقد جهله ، أعني يموت جائعاً ويمشي في جنازته ويتقبل تهاني المعزين .
- الجهل – مثل جميع الأمراض العقلية – يحقق رابطة متينة بين الفئات المصابة به بغض النظر عن اختلافاتها الاجتماعية ويرصها جميعاً صفاً واحداً ضد الأعداء وراء الجدار ،في حالة استعداد دائمة للبدء في القتال . فإذا كانت الفئات صغيرة الحجم مثل الحزب النازي في بداية نشأته فإنها غالباً لا تستطيع أن تلحق ضرراً ملموساً بمن يحيط بها وإذا أتيحت لها فرصة النمو مثل الحزب النازي أيضاً بحيث صار في وسعها أن تضم القطاع الأعظم من القوة الكلية فإنها تثبت أقدامها في الأرض وتنمو بلا حساب في تربة غنية من الإقطاع الفكري الأسود ويصبح دمارها أمراً مستحيلاً بدون وقوع الكارثة الاجتماعية . ولكن الدمار لابد منه في نهاية المطاف . لقد أدى هذا الإقطاع الفكري ذات مرة إلى صلب المسيح بأيدي اليهود ، وأدى في مرة أخرى إلى وضع ادولف هتلر في مصاف المنقذين الكبار غير أن نتائجه كانت دائماً خاطئة وكان التاريخ يصحح له هذه الأخطاء بقلم مغموس في الدم .
- المجتمع الجاهل لا يحتاج إلى أن يضم المواطنين الجهلاء فقط ولكنه يحتاج إلى أن يضم منهم عددًا كافيًا لكي يتعرض للمرض ، والمواطن الجاهل لا يعني أنه ( المواطن غير الفعال ) بل يعني المواطن الفعال في الاتجاه الخاطئ كما تنشط خلية السرطان في تحقيق مزيد من المرض.
- ( وعن الحب وفلسفته الخاصة نحوه كتب … ) ،،،
بالصدفة قد يحدث المستحيل
بالصدفة قد يحدث المستحيل ينبت الثوم في كرمة العنب .. يعطس التمساح .. تحدث أية خارفة أخري ، فكل شئ ممكن بالصدفه ، أعني أن يولد الحب في قلب إنسان ذلك أمر لا يحدث بالصدفة قط .. ولا يحدث من أول نظرة كما يزعم صغار الشعراء ولا علاقة له بالبنات أو الجنس أو الشوق إن الحب ظاهره نادره لم يعرفها الأنسان في تاريخه الطويل أكثر مما عرف المشي على أسنانه لكنه أيضاً الموضوع الرئيسي الذي يشغل أذهان الناس بعد نتائج الدوري الممتاز مباشرة إن كل مواطن ولدأو سيولد ينتظر فرصته بصبر لكي يمشي على أسنانه . ذات مره لكي يقع في الحب على حد التعبير الشائع يجد أمرأة ” تخطف ” قلبه وتسخن دمه في عروقة وتتركه يحلق فوق السحاب محمولاً على جناح الحب السحري .. وفي أنتظار هذه المعجزة يدهن المواطن شعره بالزيت ويرتدي أفضل قميص في حوزته ويسلخ ذقنه بأمواس الجيليت ويركض في الشوارع بحثاً عن مقابله مع الحب ؟؟ إنه يركض عادة طوال حياته دون أن يخطر بباله أنه في الواقع يطارد ظله هذا يحدث لجميع العطشانين على حد سواء . العطشان إلي الماء يطارد السراب . ويجري وراءه إلي أخر نفحة في أنفاسه يحرق دمه في وهج الشمس على أمل أن يطفئ عطشه على ضفه السراب ويملأ منه قلته أنه يراه دائماً على بعد نصف ميل فقط ويركض واراءه طوال حياته دون أن يقطع النصف قبل ودون أن ينال منه سوي مزيد من العطش .. هذه المأساه تحدث مليون مرة كل يوم في شوارع المدن أيضاً . فهنا يركض عطشان من نوع أخر .. مواطن يبحث عن جرعة من الحب .. يبحث بالذات عن امرأة لأنه يعتقد أن الحب هو بضاعه يجدها المرء عند النساء فقط ، ولأنه تعلم طوال حياته أن الجنس يستطيع أن يطفي عطشه لبعض الوقت على الأقل نتيجه هذا الخطأ المميت يمكن أن يفقد الأنسان طريقه إلي الأبد .. يجد ألف امرأة ويهرب من ألف امرأة .. يسلخ ذقنه بأمواس الجليت يبيد أحذيته بالمشي ، يتوه في دهليز مغلق من وجوه النساء وقصص الحب المزيفة .. ينام فى كل فراش يصادفه ويلعق مثل الكلب من كل إناء يصادفه وفي نهاية المطاف لا بد أن يكتشف ذات مره أن عطشه يزداد سوء وأنه لا يملك سوي تلال الرمل التي يقضي فوقها مطارد السراب نحبه .. إن هذا المسخ لم يصنعه الحب بل صنعه الجوع الحيواني إلي الجنس إنه من الدرجة الأولي مخلوق عاجز كلياً عن الحب عاجز عن حب المرآة التي تنام منه والمرآة التي ستنام معه عاجز عن حب بيته وأطفاله ووطنه ومواطنيه وعالمه كله .. عاجز عن فهم مثلنا العليا وأخلاقنا وقيمنا المقدسة ، وليس بوسعه أن يمنحنا أو يمنح نفسه شيئاً أخر سوي خيبه الأمل الخالية عن العزاء .. إن تسعا وتسعين في المائة من الناس الذين سكنوا عالمنا أو سيسكنون فيه يقعون بدرجة أو بأخري داخل هذه القائمة البائسة لهذا السبب ما يزال عالم الأنسان قطعه من جهنم فرأس المشكلة أن الحب ليس عاطفة وليس تحليقاً فوق السحاب أو ذبحاً لقصائد الشعر أو تبادل النظرات الوالهة مع امرأة إنه في الواقع على عكس ما يعتقد كل الناس لا علاقة له بشؤون القلب على الأطلاق ” الحب موقف عقلي متناهي الرزانه ” فكرة قائمة بتبناها الأنسان عبر معاناته العقلية لمشاكل عالمه ويتخذها مقياساً نهائياً لسلوكه تجاه مواطنيه ويبني فوقها كل طوبه في حياته ، ويقف غالباً مستعداً للدفاع عنها بعنقه .. إن المسيح وهو اشهر المحبين على الاطلاق مات طائعاً فوق خشبتين .. مشكله الحب أيضاً أنه لا يسقط من السماء ولا يجده المرء في عيون البنات ولا يصادفك في الطريق متخفياً تحت الجربي . إنه صناعه . مثل أي صناعة أخري تحتاج إلي بذل الجهد والتدريب المتواصل والعمل والعرق ، وإذا كنت لم تسمع في حياتك قط أنك مطالب بالعرق لكي تتعرف على منحة الحب ، فأسمع ذلك الأن .. إنك مطالب بأن تنزح عرقاً قبل أن تتذوق هذه النعمة فالسم وحده تستطيع أحياناً أن تناله بالمجان السم والجنس وبعض المغامرات المحزنة التي قد تتورط فيها خلال تجوالك في الحارات وراء البنات . أما الحب الحقيقي فإنه – مثل الخبز نفسه لا تناله بدون ثمن .. إن أحداً لا يستطيع أن يجعلك تشعر بالشبع أو بالأرتواء إذا لم تكن شبعاناً ومرتوباً حقاً أعني مهما حاول أقناعك بمنطقة وحكمته وأنت لن تصدق كلمة مما يزعمه لك .. ذلك بالضبط يحدث بالنسبة لمشكلة الحب . ليس ثمه أحد يستطيع أن يمنحك ” حباً ” كما يزعم صغار الشعراء .. ليس ثمه أمرأه تستطيع أن تحقق لك هذه المعجزه .. ليس ثمه بيت أو وطن أو طفل أو صديق إن الحب ” تخلقة ” أنت في داخلك لكي تنعم به ، أما أذا عجزت عن خلقه فلن يفيدك أن يحبك العالم بأسرة إنك ستعيش ” وحيداً ” مثل فأر في السماء حتي إذا كنت محاطاً بألف فأرة مغرمة بك . هذه طبيعه المشكله مواطن يبحث عن النهر في الصحراء يجري وراء ظله يطارد امنيه مضحكة من صنع خياله المريض ثم تصدفه خيبه الأمل في نهاية المطاف وينتصب وسط تلال صحرائه المقفره مستشعراً أسواء انواع الكره والحقد تجاه عالمه بأسره إنه ببساطة تاه في الطريق فالسبيل إلي الحب أن تغوص في داخلك أن تضع أنانيتك الخرقاء جانباً وتضع معها شهواتك الصغيرة وغرورك ورغبتك في الأستحواذ على كل شئ وجريك وراء إعجاب الناس بك وخداعك نفسك بإسم المثل العليا التي لا تؤمن بها إلا أنها ترضي غرورك وحده السبيل الي الحب أن تقفز خارج جلدك وتتعلم التواضع كما يتعلم الاطفال المشى عشر مرات ستقع وتكسر رأسك ومره ستمشي وتكسر رأسك ومره تمشي خطوتين عشر مرات سنخلط بين الجنس و الحب وتخلط بين الرغبة في فعل الخير والرغبة في أعجاب الناس وتخلط بين التضحية وبين الأنانية المقنعة وتخلط بين الغرور وبين التواضع المزيف عشر مرات سترتكب هذه الأخطاء الفاحشة ومرة ستمشي خطوتين في الطريق الصحيح بعد ألف عام ستصل أعني إذا كنت تستطيع أن تعيش ألف عام لكن ذلك لن يهمك أصلاً إن يوماً واحداً على الطريق الصحيح يساوي بالنسبة لله وبالنسبة لعالمنا مليون سنه فى الاتجاه الخاطئ فنحن مشينا ثلاثه ألاف مليون سنه حتي الأن في الطريق المضاد ونتيجة رحلتنا تستطيع أن تراها بعينك دبابات ومدافع وذابع وقنابل ذرية وقليل جداً من الخير إن عالمنا لن ينقذه من الكارثه سوي الحب وحده . لكن الحب للأسف ليس سهلاً مثل صناعة القنابل الذرية ليس سهلاً مثل أي شئ أنه المستوي العقلي الوحيد الذي ما يزال الذهن البشري عاجزاً عن تحقيقه في حالته الحاضره وما يزال الأنسان يحاول تفاديه عن طريق إستبداله بالجنس .. وليس ثمة شك أن لعبه الأستبدال تستطيع أن تؤدي الغرض لبعض الوقت وتستطيع أيضاً أن تعوض المرء حاجته إلي الحب ولكن ذلك لا يختلف في شئ عن رغبته العطشان في استبدال النهر بالسراب إنه سيقضي بعض الوقت في الجري فوق تلال الرمال القاحلة ممنياً نفسه بالماء لكن المؤكد أنه يموت بالعطش في نهاية المطاف . ذلك مصير يمكن تفاديه .. إن تسعاً وتسعين في المائة من الناس الذين ماتو أو سيموتون في هذا العالم جاءوا وذهبوا دون أن ينالو من الحياة جرعة ماء والمرء يقول تسعاً وتسعين في المائة لمجرد الرغبة في التزام الأعتدال فالواقع أن النسبة أعلي من ذلك بكثير وأن تاريخ الأنسانية بأسره لا يعرف سوي بضعة أسماء للرجال الذين تمكنو بطريق أو بأخر من تحقيق معجزة الحب واحد منهم أسمه المسيح والثاني أسمه الحلاج وكلاهما مات بأيدي الناس الذين أحبهم وهذا المسخ الذي أنتجته حضارتنا حتي الأن ومنحته لقب ” انسان ” ليس قادراً على استقبال منحة الحب وليس بوسعه أن يمنح أحداً مقابل حبه شيئاً سوي حبل المشنقة أنه لا يفهم من الهبه السحرية العظيمة سوي أنها جنس ولذه حسيه وشنبات وبنات هنا يتساوي القرود والناس والتماسيح هنا ليس ثمة فرق بين مخلوق وأخر فكل حيوان هنا يحتاج إلي الجنس لكي يحافظ على بقائة وكل حيوان ينال بعض اللذه مقابل أداء هذا الواجب الثقيل قل ما في الأمر أن الأنسان الذي يمتاز وحده بالقدرة على الكذب يستطيع أن يضع بضع الأشعار في جوعه الجنسي ويدعوه ( حباً ” يغنيه فوق خشبة المسرح . ويهذي به في النوادي الليله والدوريات الرخصية والمجالات والأزقة والحواري يخدع به نفسه ويخدع به أطفاله ريثاً يطرق سمعه دوي القنابل الذرية إن معجزة الحب التي لم يستطيع الأنسان أن يحققها بعد لا يجوز أن تنال منه بالطبع سوي الأبتذال والأمتهان لأنه بذلك يرضي غروره على الأقل ويحفظ قليلاً من ماء وجهه المهدور .
- ( وفي الدين تكلم عن الرمزية في القرآن الكريم و فسر ,,, ) …
الرمز في القرآن الكريم وتفسيره
أنا لا أعمل في تفسير القرآن ولست ((فقيهاً)). ولا أعتقد أنني أستطيع أن أحترف تلك المهنة الشاقة ذات يوم. كل ما في الأمر، أنني كنت أقوم بدراسة في ((الكلمة والصورة)) محاولاً أن أتعرف على أبعاد الرمز وراء حدود اللفظ. وقد قادتني مراجعي منذ البداية إلى كلام الله في القرآن، وبذلت جهداً جانبياً لفهم النص المقدس ضمن إطار دراستي، ورغم اعتقادي بأنني وجدت طريقاً سليماً وواضحاً، فقد آثرت أن أنتظر نشر نتائجي ريثما أنال فرصة أكثر ثباتاً لمواصلة المراجعة.
وهنا، في هذا المكان العام، بعد سنتين من التردد، أنا أزمع أن أنشر ما لدي، ولست ((فقيهاً)) ولا أعمل في تفسير القرآن. ولا أريد أن أحقق شيئاً سوى أن أعرض محاولتي لفهم النصوص المقدسة بأبعاد الرمز. وذلك يعني أن بعض الآيات يمكن تفسيرها طبقاً لوحدات رمزية معينة وراء حدود اللفظ وأنني أزمع أن أعرض هنا هذه الآيات مقترحاً حلّ مشكلة الرمز داخل أبعادها.
بدايتي من سورة الكهف. من هذه الآية الكريمة: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً).
والسؤال: هل يروي القرآن هنا حدوث معجزة؟ وهل نام أصحاب الكهف ثلاثة قرون حقاً؟
وليس ثمة شك أن المرء يستطيع أن يعتمد الإجابة باعتبار أن المعجزة ظاهرة في معظم الديانات، وأن الله على كل شيء قدير؟
ولكن! أليس ثمة طريق آخر؟
أنا سأفترض أن القصة بأسرها حادثة رمزية تهدف في الظاهر إلى الحديث عن بضعة من القديسين المطاردين في الجبال، وتهدف في الواقع إلى الحديث عن تاريخ المسيحية ذاتها.
وهذا طريقي إلى ذلك الافتراض.
المسيح لم يولد في الخامس والعشرين من ديسمبر كما يزعم الانجيل. وقد ثبت الآن بأدلة لا تقبل الشك أن عيسى قد ولد قبل التاريخ المعتمد حالياً بخمس سنين على الأقل.
والقرآن يذكر أن مريم جاءها المخاض بجانب نخلة، وقد أشار القرآن إلى هذا المكان بالذات لكي يشير بعد ذلك إلى أن بلح النخلة كان قد استوى وصار رطباً.
ولأن البلح لا ينضج في ديسمبر، فمن الواضح أن القرآن يرفض تاريخ الميلاد الحالي الذي يحتفل به المسيحيون. ولعله من المدهش أن يثبت علماء المسيحيين بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول القرآن أن المسيح لم يولد في شهر ديسمبر فعلاً. ثم أثبت الأسقف ((بارنز)) أن تاريخ الميلاد ذاته ليس صحيحاً، ((وأن عيسى كان قد ولد قبل ذلك بخمس أو ست سنين)).
فإذا افترض المرء أن المسيح بدأ في نشر دعوته ـ مثل كل الأنبياء ـ بعد أن بلغ مبلغ الرجال. فإن المسيحية تكون قد بدأت في السنة الخامسة والعشرين للميلاد، وليس في السنة الثلاثين كما يزعم القس.
وهذه السنوات الخمس مهمة للغاية. فبعد ثلاثمائة وخمسة وعشرين عاماً بالضبط أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي، وفقدت وحدانيتها لأول مرة عندما اعتمد الامبراطور نظرية الثالوث.
وعملية الحساب العادية تثبت أن الدين الجديد ظل مطارداً ثلثمائة عام بالضبط. وظل عبادة سرية يزاولها القديسون في الكهوف طبقاً لكل المراجع المعتمدة حتى عصر قسطنطين.
ألا يفسر ذلك قول القرآن: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين)؟
أليس هذه بالضبط نقطة الإعجاز التي وقفت تتحدى محاولات الشعراء لتقليده. فالشاعر يستطيع أن يجد اللفظ، ولكنه لا يستطيع أن يتجاوز معلومات عصره التاريخية. وليس ثمة شك أن أحداً في العالم بأسره لم يكن يعرف تفاصيل حادثة الميلاد إلى هذا الحد.
ثمة نقطة أخرى: إن القرآن يقول: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين، وازدادوا تسعاً).
فما هي السنوات الزائدة؟
الإجابة المذهلة أن كل مائة سنة شمسية تزيد بمقدار ثلاث سنوات عن كل مائة سنة قمرية. والمسيحيون يحسبون تاريخ الميلاد بالتاريخ الشمسي والعرب يحسبون بالتاريخ القمري. وإشارة القرآن إلى الفرق دليل حاسم على أنه يتحدث هنا عن حقيقة تاريخية تتطلب كثيراً من الدقة، وليس من المحتمل أن تكون تلك الحادثة شيئاً آخر غير التأريخ المسيحي الذي يتبناه العالم الآن.
الرمز لم يكتمل بعد.
فباقي الآيات تتحدث بوضوح عن كهف معين عندما تقول: (وترى الشمس إذا طلعت تزور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله).
وحركة الشمس هنا ليست معجزة.
فأي كهف ذي مدخل شمالي يقع فوق مدار السرطان في نصف الكرة الشمالي لا تصله الشمس في أي وقت من أوقات النهار، فإذا أضاف المرء إلى هذه الحقيقة، أن المسيحية انتشرت أولاً في أوروبا فوق مدار السرطان فإن الرمز يصل نهايته من الدقة، وتتحول الحادثة إلى صورة بلاغية معجزة.
فالكلمات تروي قصة أصحاب الكهف كما تناقلها الناس في عصر النبي.
والرموز وراء الكلمات تتحدث عن حقائق تاريخية خفية لا علم لأحد بها. والنص بأسره متناسق ومنطقي بصورة مقنعة في كلا الحالتين.
وأنا أزمع أن أواصل عرض هذا التناسق تحت سطح الكلمات، فالحديث عن مجموعة من القديسين في أحد الكهوف يستطيع أن يكون مجرد مدخل إلى كليات تاريخية عامة.
وهذا العمل معروف في آداب العالم المعاصرة، ولعل القصة القصيرة أهم مسارح هذه الظاهرة كما نعيشها الآن.
فالقصاص يعمل بوحدات الرمز لتحقيق الشمول.
والقرآن يتبع منهج القصة عبر هذا الطريق. وليس ثمة ما يمنع الباحث من اكتشاف نقطة الشمول في ذلك المنهج. فلعل قصص القرآن كلها مسخرة لأهداف الرمز.
ولعل لدينا تفسيراً معاصراً لهذه الرموز.
وأصحاب الكهف قصة قصيرة كاملة.
وطريقة القرآن في روايتها منهج قصصي آخر. وأنا أعتقد أن مواصلة الحديث عن أبعاد الرمز وراء حدود اللفظ، ستقودني في النهاية إلى موقف مفصل للقصة الحقيقية الكامنة تحت سطح الكلمات.
فالآية: (فضربنا على آذانهم) تعني ((منعناهم من السمع))، وأحد معاني ((ضرب)): سدّ وأغلق. ولكن الآية تعني أيضاً ((عزلناهم عن العالم من حولهم))، واللغة العربية ما تزال تستعمل جملة ((ضرب حوله ستاراً من العزلة)) وتعني ((عزلة كلية عما يحيط به)).
فأي التفسيرين أقرب؟
المعروف أن كتب التفسير تتبنى فكرة العزلة بطريق النوم، وهي فكرة تستند في الدرجة الأولى إلى أسطورة مسيحية تقول إن سبعة من أتباع المسيح لجأوا إلى أحد الكهوف هرباً من الاضطهاد الديني في عصر الامبراطور ((ديكيوس))، وقد اكتشف الشرطة أمرهم وسدّوا عليهم منفذ الكهف، فظلوا نائمين بداخله مائة وسبعة وثمانين عاماً طبقاً لإحدى الروايات وثلثمائة وخمسة وسبعين عاماً طبقاً لرواية أخرى.
والقرآن لا يثبت هذا الزعم ولا ينفيه.
وخلوا النص من التفاصيل يشير إلى فكرة التعمد القرآني لاختيار هذا الموقف الوسط. وتجنب كلمة ((النوم)) بالذات تبدو بمثابة اقتراح محدد للبحث عن تفسير آخر أكثر شمولاً.
إلى جانب ذلك يبدو الإصرار على ذكر كلمة ((الرقيم)) ظاهرة أكثر مدعاة للتريث في قبول الأسطورة المسيحية. ((فالرقيم)) رمز واضح محدد للنشاط التجاري الذي تميزت به الأمم المسيحية في العصور الحديثة. و ((الكهف)) رمز آخر محدد للنشاط الكهنوتي في الأديرة المتوحدة وبقاع النساك في الجبال. وترتيب وضع الكلمتين في النص ((الكهف والرقيم)) يبدو بمثابة تلخيص مذهل لتاريخ المسيحية بأسرها التي بدأت في كهوف الرهبان وانتهت في بورصات المدن الكبيرة والبنوك وهو أيضاً نبوءة واضحة بالمصير المادي لتعاليم المسيح.
وهذا الاقتراح لابد أن يدعو في النهاية إلى اعتبار القصة كلها عملاً رمزياً متعمداً. فالشواهد تشير بوضوح إلى أن القرآن لا يسرد حادثة معينة داخل أية تفاصيل. ونقاط الاقتراح تتوالى على هذا النحو:
أولاً: تعمد النص إغفال كلمة ((النوم))، وهي في الواقع الكلمة الوحيدة التي كان بوسعها أن تؤكد حدوث المعجزة.
ولو أن القرىن يرمي إلى الحديث عن ((خارقة)) غير طبيعية، فمن المستبعد حقاً أن يتعمد إغفال تلك الكلمة أو يتجنب ذكرها بوضوح كلي.
ثانياً: وردت كلمة ((الرقيم)) في نصّ بالغ الإيجاز دون أن يكون لها ثمة علاقة مباشرة بتفاصيل المعجزة. ولو كانت القصة تروي حدوث خارقة غير طبيعية فقط لما كان ثمة حاجة ملحة إلى ذكر ((الرقيم)) أصلاً.
ثالثاً: قدمت الآيات الكريمة صورة غير محصورة لمجموعة من النساك لجأوا إلى كهف ما عدداً معيناً من السنين ثم غادروه في النهاية. ولم تتقدم الآيات بأية تفاصيل لتثبيت حدوث المعجزة أو عدم حدوثها. والقرآن لا يتعامل مع الظواهر غير الطبيعية بهذا الاسلوب إلا إذا كان ثمة تفسير آخر أكثر احتمالاً يعترض طريق التحديد.
أما التفاصيل فتبدأ بعد ذلك في هذا النص: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً. وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فآووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً).
والواضح حتى الآن أن القرآن يشير إلى أول ثورة دينية في المسيحية، وهي تلك الثورة التي يعرف أتباعها باسم ((الموحدون)) في الشرق، وباسم ((المفكرون)) في الغرب لأنهم يرفضون الاعتراف بعقيدة التثليث.
و ((الآلهة)) هي عيسى المسيح ومريم العذراء.
والآية: (لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن) اشارة مذهلة إلى حجة الموحدين الذين تحدوا القائلين بالتثليث بأن يثبتوا أ، عيسى المسيح قال إنه ابن الله. وذلك بالضبط هو ما سيعمل الرهبان على تزويره في نسخ الانجيل التي كتبت في نهاية القرن الأول.
أما نقطة النقاش هنا فهي قول القرآن: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله).
فالاعتزال حادثة معروفة في معظم الديانات، وهي أيضاً حقيقة تاريخية فيما يخص الموحدين بالذات. وليس ثمة اقتراح واحد هنا بحدوث أية معجزة، فهؤلاء الرجال يعتزلون بقية الفرق القائلة بالتثليث التي تقترف إثم الشرك بالله اعتزالاً عادياً خالياً من أية اشارة إلى الخوارق غير الطبيعية.
ثم تصل تفاصيل أكثر:
(وترى الشمس إذا طلعت تزور عن كهفهم ذات اليمين إذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً).
والذي يلفت النظر هنا أكثر هو سرد التفاصيل لمكان الشمس بالنسبة للكهف مما يوحي للوهلة الأولى بأن ذلك هو موطن المعجزة. ولكن المعروف أن أي امرئ ذي معلومات جغرافية محدودة يستطيع أن يؤكد أن حركة الشمس هنا لا تقترح أية معجزة. فالكهف ذو المدخل الشمالي فوق مدار السرطان لا تصله الشمس مباشرة لأنها تشرق من يمينه وتغرب من يساره طوال أيام العام. فماذا يقترح النص على وجه الضبط؟
المعروف أن المفسرين القدامى اعتبروا حركة الشمس جزءاً من المعجزة، وهو تفسير لا يخالف روح النص بأي حال. ولكن معلومات هذا العصر تتقدم بتفسير آخر أكثر مطابقة للظروف الطبيعية السائدة في مناطق انتشار المسيحية الأولى، وتلغي حدوث المعجزة في هذا الموضع على الأقل. وهو عمل يمكن أن يظل قاعدة لمحاولة مخلصة في البحث عن أبعاد الرمز في بقية النص.
ولعل الآيات القادمة تلقي مزيداً من الضوء على هذه النقطة:
(وتحسبهم إيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد).
وهنا ترد أول اشارة إلى ((النوم)) باعتباره عكس اليقظة. وترد بقية التفاصيل الخاصة بكلب الحراسة ومكانه عند المدخل في وضع محدد حافل بالحياة.
والسؤال المباشر: هل هذه طريقة القرآن المتميز بالإيجاز في سرد الحوادث الخارقة؟ وماذا تعني (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) إذا كان النص يقترح تفسيراً حرفياً؟
أنا أعتقد أن إجابة الأسئلة ستبدو أكثر يسراً وتحديداً عبر تفسير رمزي لكل وحدات الصورة.
هكذا كان الصادق النيهوم … شعلة من الافكار المتأججة في زمن مظلم ،،،
معلومات عن الصادق النيهوم في موسوعة الوكيبيديا ،،،
أبحث عن كتبه و إقراء و أفهم و تعلم ،،، لعل يوما ما يظهر صادق نيهوم جديد , بدم جديد , يوقد تلك الشعلة المطفئة ، وينير الطريق للأجيال القادمة …
فليرحمك الله أيه المبدع …