أرشيف التصنيف ‘أدباء ليبيين’ التصنيف

هكذا تكلم يوماً الصادق النيهوم!

الاديب الليبي ( الصادق النيهوم ) ،،، عندما أسمع هذا الاسم أشعر برتعاشة في أطرافي ، ليس خوفا ولا رهبة ولاكن تحصرا علي مبدع و كاتب و مفكر ترك بصمة في تاريخ الادب الليبي و العربي و حتى العالمي , من خلال كتبه التي تم ترجمتها للعديد من اللغات العالمية و دراساته التي كان لها السبق في أسلوب الطرح و الموضوع … كتب في الادب و في السياسة و الدين و ترك بصمته التي سبق عصره و أوانه بسنوات كثيرة …

هكذا تكلم وبصوته عن ( الاثر الفني ) …

وهكذا كتب بقلمه عن الكثير من أمور حياتنا ، و بأسلوبه و فلسفته التي سبقت عصره و تخطته بمراحل ،،،

( تستطيع تحميل هذه الكتب علي شكل ملفات PDF ) فقد رفعتهم علي موقعي الخاص حتى يسهل تحميلهم …

محنة ثقافة مزورة

الاسلام في الاسر

نقاش

بعض مما كتب بقلبه قبل عقله ,,,

- ( فعن الجهل قال … )،،،

  • الطفل يتعلم في حصة الحساب أن تفاحة زائد تفاحة لابد أن تساوي تفاحتين ، لكنه غالبا يحتاج إلى سنوات طويلة من ممارسة الواقع لكي يتعلم أن مائة طوبة زائد مائة طوبة لا تساوي مائتين بل تساوي بيتا جاهزا للسكن ،إننا لا نجمع الأشياء لكي نكومها عبثًا في كوم واحد بل لكي نؤدي بها غرضًا حياتيًا خاصًا ، ومن الخطأ أن نتصور بعد ذلك أن الحياة نفسها لا تفهم مثلنا في تأدية الأغراض .
  • الجاهل مثل ساعة مليئة بالأوساخ – تشير عقاربها عادة إلى منتصف الليل فيما يتناول الناس إفطارهم في الصباح – إنه يعيش متأخراً بضع سنوات وأحياناً أيضاً بضعة قرون دون أن يهمه بالطبع أن العالم من حوله لا يتحرك طبقاً لتوقيته الرديء ، إنه شبح من مذبحة الماضي وراء قناع مواطن معاصر . جزيرة تائهة أو قارة بأسرها تائهة تتسكع في عصر منقرض وتراقب عصرنا بازدراء مستعدة لأن تعلق في عنقه أية تهمة تخطر ببالها بمجرد أن يتجرأ على إبداء شخصيته المختلفة ، إن الجاهل حارس مقبرة غير مرئية .
  • الجاهل لا يبيع بضاعته بالمنطق بل بالشعر وحده ، إنه لا يقنعك بفكرته بل يغريك بها ، وإذا رفضت إغراءه يلجأ إلى ( تهديدك ) وإذا رفضت تهديده انقطعت علاقته بك عند هذا الحد ، إنه لا يجيد استعمال الرباط الفكري ولا يعرف كيف يحشر يده داخل دماغك لكي يقنعك بحجته لأن هذه المعجزة لا تتم بدون ( الإقناع المنطقي ) ولأن الإقناع المنطقي آخر بضاعة في حانوته المعبأ بالأشعار ، فإنه عادة ينفض يديه منك بأن يقطع رأسك أو يكرهك في الخفاء . إن الجاهل لا يستطيع أن يسلك طريق النقاش المنطقي دون أن يفقد جهله ، أعني يموت جائعاً ويمشي في جنازته ويتقبل تهاني المعزين .
  • الجهل – مثل جميع الأمراض العقلية – يحقق رابطة متينة بين الفئات المصابة به بغض النظر عن اختلافاتها الاجتماعية ويرصها جميعاً صفاً واحداً ضد الأعداء وراء الجدار ،في حالة استعداد دائمة للبدء في القتال . فإذا كانت الفئات صغيرة الحجم مثل الحزب النازي في بداية نشأته فإنها غالباً لا تستطيع أن تلحق ضرراً ملموساً بمن يحيط بها وإذا أتيحت لها فرصة النمو مثل الحزب النازي أيضاً بحيث صار في وسعها أن تضم القطاع الأعظم من القوة الكلية فإنها تثبت أقدامها في الأرض وتنمو بلا حساب في تربة غنية من الإقطاع الفكري الأسود ويصبح دمارها أمراً مستحيلاً بدون وقوع الكارثة الاجتماعية . ولكن الدمار لابد منه في نهاية المطاف . لقد أدى هذا الإقطاع الفكري ذات مرة إلى صلب المسيح بأيدي اليهود ، وأدى في مرة أخرى إلى وضع ادولف هتلر في مصاف المنقذين الكبار غير أن نتائجه كانت دائماً خاطئة وكان التاريخ يصحح له هذه الأخطاء بقلم مغموس في الدم .
  • المجتمع الجاهل لا يحتاج إلى أن يضم المواطنين الجهلاء فقط ولكنه يحتاج إلى أن يضم منهم عددًا كافيًا لكي يتعرض للمرض ، والمواطن الجاهل لا يعني أنه ( المواطن غير الفعال ) بل يعني المواطن الفعال في الاتجاه الخاطئ كما تنشط خلية السرطان في تحقيق مزيد من المرض.

- ( وعن الحب وفلسفته الخاصة نحوه كتب … ) ،،،

بالصدفة قد يحدث المستحيل

بالصدفة قد يحدث المستحيل ينبت الثوم في كرمة العنب .. يعطس التمساح .. تحدث أية خارفة أخري ، فكل شئ ممكن بالصدفه ، أعني أن يولد الحب في قلب إنسان ذلك أمر لا يحدث بالصدفة قط .. 
ولا يحدث من أول نظرة كما يزعم صغار الشعراء ولا علاقة له بالبنات أو الجنس أو الشوق إن الحب ظاهره نادره لم يعرفها الأنسان في تاريخه الطويل أكثر مما عرف المشي على أسنانه لكنه أيضاً الموضوع الرئيسي الذي يشغل أذهان الناس بعد نتائج الدوري الممتاز مباشرة إن كل مواطن ولدأو سيولد ينتظر فرصته بصبر لكي يمشي على أسنانه . ذات مره 
لكي يقع في الحب على حد التعبير الشائع يجد أمرأة ” تخطف ” قلبه وتسخن دمه في عروقة وتتركه يحلق فوق السحاب محمولاً على جناح الحب السحري .. وفي أنتظار هذه المعجزة يدهن المواطن شعره بالزيت ويرتدي أفضل قميص في حوزته ويسلخ ذقنه بأمواس الجيليت ويركض في الشوارع بحثاً عن مقابله مع الحب ؟؟ إنه يركض عادة طوال حياته دون أن يخطر بباله أنه في الواقع يطارد ظله هذا يحدث لجميع العطشانين على حد سواء . 
العطشان إلي الماء يطارد السراب . ويجري وراءه إلي أخر نفحة في أنفاسه يحرق دمه في وهج الشمس على أمل أن يطفئ عطشه على ضفه السراب ويملأ منه قلته أنه يراه دائماً على بعد نصف ميل فقط ويركض واراءه طوال حياته دون أن يقطع النصف قبل ودون أن ينال منه سوي مزيد من العطش .. هذه المأساه تحدث مليون مرة كل يوم في شوارع المدن أيضاً . 
فهنا يركض عطشان من نوع أخر .. مواطن يبحث عن جرعة من الحب .. يبحث بالذات عن امرأة لأنه يعتقد أن الحب هو بضاعه يجدها المرء عند النساء فقط ، ولأنه تعلم طوال حياته أن الجنس يستطيع أن يطفي عطشه لبعض الوقت على الأقل نتيجه هذا الخطأ المميت يمكن أن يفقد الأنسان طريقه إلي الأبد .. يجد ألف امرأة ويهرب من ألف امرأة .. يسلخ ذقنه بأمواس الجليت يبيد أحذيته بالمشي ، يتوه في دهليز مغلق من وجوه النساء وقصص الحب المزيفة .. ينام فى كل فراش يصادفه ويلعق مثل الكلب من كل إناء يصادفه وفي نهاية المطاف لا بد أن يكتشف ذات مره أن عطشه يزداد سوء وأنه لا يملك سوي تلال الرمل التي يقضي فوقها مطارد السراب نحبه .. إن هذا المسخ لم يصنعه الحب بل صنعه الجوع الحيواني إلي الجنس إنه من الدرجة الأولي مخلوق عاجز كلياً عن الحب عاجز عن حب المرآة التي تنام منه والمرآة التي ستنام معه عاجز عن حب بيته وأطفاله ووطنه ومواطنيه وعالمه كله .. عاجز عن فهم مثلنا العليا وأخلاقنا وقيمنا المقدسة ، وليس بوسعه أن يمنحنا أو يمنح نفسه شيئاً أخر سوي خيبه الأمل الخالية عن العزاء .. إن تسعا وتسعين في المائة من الناس الذين سكنوا عالمنا أو سيسكنون فيه يقعون بدرجة أو بأخري داخل هذه القائمة البائسة لهذا السبب ما يزال عالم الأنسان قطعه من جهنم فرأس المشكلة أن الحب ليس عاطفة وليس تحليقاً فوق السحاب أو ذبحاً لقصائد الشعر أو تبادل النظرات الوالهة مع امرأة إنه في الواقع على عكس ما يعتقد كل الناس لا علاقة له بشؤون القلب على الأطلاق ” الحب موقف عقلي متناهي الرزانه ” 
فكرة قائمة بتبناها الأنسان عبر معاناته العقلية لمشاكل عالمه ويتخذها مقياساً نهائياً لسلوكه تجاه مواطنيه ويبني فوقها كل طوبه في حياته ، ويقف غالباً مستعداً للدفاع عنها بعنقه .. إن المسيح وهو اشهر المحبين على الاطلاق مات طائعاً فوق خشبتين .. مشكله الحب أيضاً أنه لا يسقط من السماء ولا يجده المرء في عيون البنات ولا يصادفك في الطريق متخفياً تحت الجربي . إنه صناعه . مثل أي صناعة أخري تحتاج إلي بذل الجهد والتدريب المتواصل والعمل والعرق ، وإذا كنت لم تسمع في حياتك قط أنك مطالب بالعرق لكي تتعرف على منحة الحب ، فأسمع ذلك الأن .. 
إنك مطالب بأن تنزح عرقاً قبل أن تتذوق هذه النعمة فالسم وحده تستطيع أحياناً أن تناله بالمجان السم والجنس وبعض المغامرات المحزنة التي قد تتورط فيها خلال تجوالك في الحارات وراء البنات . 
أما الحب الحقيقي فإنه – مثل الخبز نفسه لا تناله بدون ثمن .. إن أحداً لا يستطيع أن يجعلك تشعر بالشبع أو بالأرتواء إذا لم تكن شبعاناً ومرتوباً حقاً أعني مهما حاول أقناعك بمنطقة وحكمته وأنت لن تصدق كلمة مما يزعمه لك .. ذلك بالضبط يحدث بالنسبة لمشكلة الحب . 
ليس ثمه أحد يستطيع أن يمنحك ” حباً ” كما يزعم صغار الشعراء .. ليس ثمه أمرأه تستطيع أن تحقق لك هذه المعجزه .. ليس ثمه بيت أو وطن أو طفل أو صديق إن الحب ” تخلقة ” أنت في داخلك لكي تنعم به ، أما أذا عجزت عن خلقه فلن يفيدك أن يحبك العالم بأسرة إنك ستعيش ” وحيداً ” مثل فأر في السماء حتي إذا كنت محاطاً بألف فأرة مغرمة بك . 
هذه طبيعه المشكله مواطن يبحث عن النهر في الصحراء يجري وراء ظله يطارد امنيه مضحكة من صنع خياله المريض ثم تصدفه خيبه الأمل في نهاية المطاف وينتصب وسط تلال صحرائه المقفره مستشعراً أسواء انواع الكره والحقد تجاه عالمه بأسره إنه ببساطة تاه في الطريق فالسبيل إلي الحب أن تغوص في داخلك أن تضع أنانيتك الخرقاء جانباً وتضع معها شهواتك الصغيرة وغرورك ورغبتك في الأستحواذ على كل شئ وجريك وراء إعجاب الناس بك وخداعك نفسك بإسم المثل العليا التي لا تؤمن بها إلا أنها ترضي غرورك وحده السبيل الي الحب أن تقفز خارج جلدك وتتعلم التواضع كما يتعلم الاطفال المشى عشر مرات ستقع وتكسر رأسك ومره ستمشي وتكسر رأسك ومره تمشي خطوتين عشر مرات سنخلط بين الجنس و الحب وتخلط بين الرغبة في فعل الخير والرغبة في أعجاب الناس وتخلط بين التضحية وبين الأنانية المقنعة وتخلط بين الغرور وبين التواضع المزيف عشر مرات سترتكب هذه الأخطاء الفاحشة ومرة ستمشي خطوتين في الطريق الصحيح بعد ألف عام ستصل أعني إذا كنت تستطيع أن تعيش ألف عام لكن ذلك لن يهمك أصلاً إن يوماً واحداً على الطريق الصحيح يساوي بالنسبة لله وبالنسبة لعالمنا مليون سنه فى الاتجاه الخاطئ فنحن مشينا ثلاثه ألاف مليون سنه حتي الأن في الطريق المضاد ونتيجة رحلتنا تستطيع أن تراها بعينك دبابات ومدافع وذابع وقنابل ذرية وقليل جداً من الخير إن عالمنا لن ينقذه من الكارثه سوي الحب وحده . 
لكن الحب للأسف ليس سهلاً مثل صناعة القنابل الذرية ليس سهلاً مثل أي شئ أنه المستوي العقلي الوحيد الذي ما يزال الذهن البشري عاجزاً عن تحقيقه في حالته الحاضره وما يزال الأنسان يحاول تفاديه عن طريق إستبداله بالجنس .. وليس ثمة شك أن لعبه الأستبدال تستطيع أن تؤدي الغرض لبعض الوقت وتستطيع أيضاً أن تعوض المرء حاجته إلي الحب ولكن ذلك لا يختلف في شئ عن رغبته العطشان في استبدال النهر بالسراب إنه سيقضي بعض الوقت في الجري فوق تلال الرمال القاحلة ممنياً نفسه بالماء لكن المؤكد أنه يموت بالعطش في نهاية المطاف . 
ذلك مصير يمكن تفاديه .. إن تسعاً وتسعين في المائة من الناس الذين ماتو أو سيموتون في هذا العالم جاءوا وذهبوا دون أن ينالو من الحياة جرعة ماء والمرء يقول تسعاً وتسعين في المائة لمجرد الرغبة في التزام الأعتدال فالواقع أن النسبة أعلي من ذلك بكثير وأن تاريخ الأنسانية بأسره لا يعرف سوي بضعة أسماء للرجال الذين تمكنو بطريق أو بأخر من تحقيق معجزة الحب واحد منهم أسمه المسيح والثاني أسمه الحلاج وكلاهما مات بأيدي الناس الذين أحبهم وهذا المسخ الذي أنتجته حضارتنا حتي الأن ومنحته لقب ” انسان ” ليس قادراً على استقبال منحة الحب وليس بوسعه أن يمنح أحداً مقابل حبه شيئاً سوي حبل المشنقة أنه لا يفهم من الهبه السحرية العظيمة سوي أنها جنس ولذه حسيه وشنبات وبنات هنا يتساوي القرود والناس والتماسيح هنا ليس ثمة فرق بين مخلوق وأخر فكل حيوان هنا يحتاج إلي الجنس لكي يحافظ على بقائة وكل حيوان ينال بعض اللذه مقابل أداء هذا الواجب الثقيل قل ما في الأمر أن الأنسان الذي يمتاز وحده بالقدرة على الكذب يستطيع أن يضع بضع الأشعار في جوعه الجنسي ويدعوه ( حباً ” يغنيه فوق خشبة المسرح . 
ويهذي به في النوادي الليله والدوريات الرخصية والمجالات والأزقة والحواري يخدع به نفسه ويخدع به أطفاله ريثاً يطرق سمعه دوي القنابل الذرية إن معجزة الحب التي لم يستطيع الأنسان أن يحققها بعد لا يجوز أن تنال منه بالطبع سوي الأبتذال والأمتهان لأنه بذلك يرضي غروره على الأقل ويحفظ قليلاً من ماء وجهه المهدور .

- ( وفي الدين تكلم عن الرمزية في القرآن الكريم و فسر ,,, ) …

الرمز في القرآن الكريم وتفسيره


أنا لا أعمل في تفسير القرآن ولست ((فقيهاً)). ولا أعتقد أنني أستطيع أن أحترف تلك المهنة الشاقة ذات يوم. كل ما في الأمر، أنني كنت أقوم بدراسة في ((الكلمة والصورة)) محاولاً أن أتعرف على أبعاد الرمز وراء حدود اللفظ. وقد قادتني مراجعي منذ البداية إلى كلام الله في القرآن، وبذلت جهداً جانبياً لفهم النص المقدس ضمن إطار دراستي، ورغم اعتقادي بأنني وجدت طريقاً سليماً وواضحاً، فقد آثرت أن أنتظر نشر نتائجي ريثما أنال فرصة أكثر ثباتاً لمواصلة المراجعة.
وهنا، في هذا المكان العام، بعد سنتين من التردد، أنا أزمع أن أنشر ما لدي، ولست ((فقيهاً)) ولا أعمل في تفسير القرآن. ولا أريد أن أحقق شيئاً سوى أن أعرض محاولتي لفهم النصوص المقدسة بأبعاد الرمز. وذلك يعني أن بعض الآيات يمكن تفسيرها طبقاً لوحدات رمزية معينة وراء حدود اللفظ وأنني أزمع أن أعرض هنا هذه الآيات مقترحاً حلّ مشكلة الرمز داخل أبعادها.
بدايتي من سورة الكهف. من هذه الآية الكريمة: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً).
والسؤال: هل يروي القرآن هنا حدوث معجزة؟ وهل نام أصحاب الكهف ثلاثة قرون حقاً؟
وليس ثمة شك أن المرء يستطيع أن يعتمد الإجابة باعتبار أن المعجزة ظاهرة في معظم الديانات، وأن الله على كل شيء قدير؟
ولكن! أليس ثمة طريق آخر؟
أنا سأفترض أن القصة بأسرها حادثة رمزية تهدف في الظاهر إلى الحديث عن بضعة من القديسين المطاردين في الجبال، وتهدف في الواقع إلى الحديث عن تاريخ المسيحية ذاتها.
وهذا طريقي إلى ذلك الافتراض.
المسيح لم يولد في الخامس والعشرين من ديسمبر كما يزعم الانجيل. وقد ثبت الآن بأدلة لا تقبل الشك أن عيسى قد ولد قبل التاريخ المعتمد حالياً بخمس سنين على الأقل.
والقرآن يذكر أن مريم جاءها المخاض بجانب نخلة، وقد أشار القرآن إلى هذا المكان بالذات لكي يشير بعد ذلك إلى أن بلح النخلة كان قد استوى وصار رطباً.
ولأن البلح لا ينضج في ديسمبر، فمن الواضح أن القرآن يرفض تاريخ الميلاد الحالي الذي يحتفل به المسيحيون. ولعله من المدهش أن يثبت علماء المسيحيين بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول القرآن أن المسيح لم يولد في شهر ديسمبر فعلاً. ثم أثبت الأسقف ((بارنز)) أن تاريخ الميلاد ذاته ليس صحيحاً، ((وأن عيسى كان قد ولد قبل ذلك بخمس أو ست سنين)).
فإذا افترض المرء أن المسيح بدأ في نشر دعوته ـ مثل كل الأنبياء ـ بعد أن بلغ مبلغ الرجال. فإن المسيحية تكون قد بدأت في السنة الخامسة والعشرين للميلاد، وليس في السنة الثلاثين كما يزعم القس.
وهذه السنوات الخمس مهمة للغاية. فبعد ثلاثمائة وخمسة وعشرين عاماً بالضبط أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي، وفقدت وحدانيتها لأول مرة عندما اعتمد الامبراطور نظرية الثالوث.
وعملية الحساب العادية تثبت أن الدين الجديد ظل مطارداً ثلثمائة عام بالضبط. وظل عبادة سرية يزاولها القديسون في الكهوف طبقاً لكل المراجع المعتمدة حتى عصر قسطنطين.
ألا يفسر ذلك قول القرآن: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين)؟
أليس هذه بالضبط نقطة الإعجاز التي وقفت تتحدى محاولات الشعراء لتقليده. فالشاعر يستطيع أن يجد اللفظ، ولكنه لا يستطيع أن يتجاوز معلومات عصره التاريخية. وليس ثمة شك أن أحداً في العالم بأسره لم يكن يعرف تفاصيل حادثة الميلاد إلى هذا الحد.
ثمة نقطة أخرى: إن القرآن يقول: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين، وازدادوا تسعاً).
فما هي السنوات الزائدة؟
الإجابة المذهلة أن كل مائة سنة شمسية تزيد بمقدار ثلاث سنوات عن كل مائة سنة قمرية. والمسيحيون يحسبون تاريخ الميلاد بالتاريخ الشمسي والعرب يحسبون بالتاريخ القمري. وإشارة القرآن إلى الفرق دليل حاسم على أنه يتحدث هنا عن حقيقة تاريخية تتطلب كثيراً من الدقة، وليس من المحتمل أن تكون تلك الحادثة شيئاً آخر غير التأريخ المسيحي الذي يتبناه العالم الآن.
الرمز لم يكتمل بعد.
فباقي الآيات تتحدث بوضوح عن كهف معين عندما تقول: (وترى الشمس إذا طلعت تزور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله).
وحركة الشمس هنا ليست معجزة.
فأي كهف ذي مدخل شمالي يقع فوق مدار السرطان في نصف الكرة الشمالي لا تصله الشمس في أي وقت من أوقات النهار، فإذا أضاف المرء إلى هذه الحقيقة، أن المسيحية انتشرت أولاً في أوروبا فوق مدار السرطان فإن الرمز يصل نهايته من الدقة، وتتحول الحادثة إلى صورة بلاغية معجزة.
فالكلمات تروي قصة أصحاب الكهف كما تناقلها الناس في عصر النبي.
والرموز وراء الكلمات تتحدث عن حقائق تاريخية خفية لا علم لأحد بها. والنص بأسره متناسق ومنطقي بصورة مقنعة في كلا الحالتين.
وأنا أزمع أن أواصل عرض هذا التناسق تحت سطح الكلمات، فالحديث عن مجموعة من القديسين في أحد الكهوف يستطيع أن يكون مجرد مدخل إلى كليات تاريخية عامة.
وهذا العمل معروف في آداب العالم المعاصرة، ولعل القصة القصيرة أهم مسارح هذه الظاهرة كما نعيشها الآن.
فالقصاص يعمل بوحدات الرمز لتحقيق الشمول.
والقرآن يتبع منهج القصة عبر هذا الطريق. وليس ثمة ما يمنع الباحث من اكتشاف نقطة الشمول في ذلك المنهج. فلعل قصص القرآن كلها مسخرة لأهداف الرمز.
ولعل لدينا تفسيراً معاصراً لهذه الرموز.
وأصحاب الكهف قصة قصيرة كاملة.
وطريقة القرآن في روايتها منهج قصصي آخر. وأنا أعتقد أن مواصلة الحديث عن أبعاد الرمز وراء حدود اللفظ، ستقودني في النهاية إلى موقف مفصل للقصة الحقيقية الكامنة تحت سطح الكلمات.
فالآية: (فضربنا على آذانهم) تعني ((منعناهم من السمع))، وأحد معاني ((ضرب)): سدّ وأغلق. ولكن الآية تعني أيضاً ((عزلناهم عن العالم من حولهم))، واللغة العربية ما تزال تستعمل جملة ((ضرب حوله ستاراً من العزلة)) وتعني ((عزلة كلية عما يحيط به)).
فأي التفسيرين أقرب؟
المعروف أن كتب التفسير تتبنى فكرة العزلة بطريق النوم، وهي فكرة تستند في الدرجة الأولى إلى أسطورة مسيحية تقول إن سبعة من أتباع المسيح لجأوا إلى أحد الكهوف هرباً من الاضطهاد الديني في عصر الامبراطور ((ديكيوس))، وقد اكتشف الشرطة أمرهم وسدّوا عليهم منفذ الكهف، فظلوا نائمين بداخله مائة وسبعة وثمانين عاماً طبقاً لإحدى الروايات وثلثمائة وخمسة وسبعين عاماً طبقاً لرواية أخرى.
والقرآن لا يثبت هذا الزعم ولا ينفيه.
وخلوا النص من التفاصيل يشير إلى فكرة التعمد القرآني لاختيار هذا الموقف الوسط. وتجنب كلمة ((النوم)) بالذات تبدو بمثابة اقتراح محدد للبحث عن تفسير آخر أكثر شمولاً.
إلى جانب ذلك يبدو الإصرار على ذكر كلمة ((الرقيم)) ظاهرة أكثر مدعاة للتريث في قبول الأسطورة المسيحية. ((فالرقيم)) رمز واضح محدد للنشاط التجاري الذي تميزت به الأمم المسيحية في العصور الحديثة. و ((الكهف)) رمز آخر محدد للنشاط الكهنوتي في الأديرة المتوحدة وبقاع النساك في الجبال. وترتيب وضع الكلمتين في النص ((الكهف والرقيم)) يبدو بمثابة تلخيص مذهل لتاريخ المسيحية بأسرها التي بدأت في كهوف الرهبان وانتهت في بورصات المدن الكبيرة والبنوك وهو أيضاً نبوءة واضحة بالمصير المادي لتعاليم المسيح.
وهذا الاقتراح لابد أن يدعو في النهاية إلى اعتبار القصة كلها عملاً رمزياً متعمداً. فالشواهد تشير بوضوح إلى أن القرآن لا يسرد حادثة معينة داخل أية تفاصيل. ونقاط الاقتراح تتوالى على هذا النحو:
أولاً: تعمد النص إغفال كلمة ((النوم))، وهي في الواقع الكلمة الوحيدة التي كان بوسعها أن تؤكد حدوث المعجزة.
ولو أن القرىن يرمي إلى الحديث عن ((خارقة)) غير طبيعية، فمن المستبعد حقاً أن يتعمد إغفال تلك الكلمة أو يتجنب ذكرها بوضوح كلي.
ثانياً: وردت كلمة ((الرقيم)) في نصّ بالغ الإيجاز دون أن يكون لها ثمة علاقة مباشرة بتفاصيل المعجزة. ولو كانت القصة تروي حدوث خارقة غير طبيعية فقط لما كان ثمة حاجة ملحة إلى ذكر ((الرقيم)) أصلاً.
ثالثاً: قدمت الآيات الكريمة صورة غير محصورة لمجموعة من النساك لجأوا إلى كهف ما عدداً معيناً من السنين ثم غادروه في النهاية. ولم تتقدم الآيات بأية تفاصيل لتثبيت حدوث المعجزة أو عدم حدوثها. والقرآن لا يتعامل مع الظواهر غير الطبيعية بهذا الاسلوب إلا إذا كان ثمة تفسير آخر أكثر احتمالاً يعترض طريق التحديد.
أما التفاصيل فتبدأ بعد ذلك في هذا النص: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذا قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً. هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً. وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فآووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقاً).
والواضح حتى الآن أن القرآن يشير إلى أول ثورة دينية في المسيحية، وهي تلك الثورة التي يعرف أتباعها باسم ((الموحدون)) في الشرق، وباسم ((المفكرون)) في الغرب لأنهم يرفضون الاعتراف بعقيدة التثليث.
و ((الآلهة)) هي عيسى المسيح ومريم العذراء.
والآية: (لولا يأتون عليهم بسلطان بيِّن) اشارة مذهلة إلى حجة الموحدين الذين تحدوا القائلين بالتثليث بأن يثبتوا أ، عيسى المسيح قال إنه ابن الله. وذلك بالضبط هو ما سيعمل الرهبان على تزويره في نسخ الانجيل التي كتبت في نهاية القرن الأول.
أما نقطة النقاش هنا فهي قول القرآن: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله).
فالاعتزال حادثة معروفة في معظم الديانات، وهي أيضاً حقيقة تاريخية فيما يخص الموحدين بالذات. وليس ثمة اقتراح واحد هنا بحدوث أية معجزة، فهؤلاء الرجال يعتزلون بقية الفرق القائلة بالتثليث التي تقترف إثم الشرك بالله اعتزالاً عادياً خالياً من أية اشارة إلى الخوارق غير الطبيعية.
ثم تصل تفاصيل أكثر:
(وترى الشمس إذا طلعت تزور عن كهفهم ذات اليمين إذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً).
والذي يلفت النظر هنا أكثر هو سرد التفاصيل لمكان الشمس بالنسبة للكهف مما يوحي للوهلة الأولى بأن ذلك هو موطن المعجزة. ولكن المعروف أن أي امرئ ذي معلومات جغرافية محدودة يستطيع أن يؤكد أن حركة الشمس هنا لا تقترح أية معجزة. فالكهف ذو المدخل الشمالي فوق مدار السرطان لا تصله الشمس مباشرة لأنها تشرق من يمينه وتغرب من يساره طوال أيام العام. فماذا يقترح النص على وجه الضبط؟
المعروف أن المفسرين القدامى اعتبروا حركة الشمس جزءاً من المعجزة، وهو تفسير لا يخالف روح النص بأي حال. ولكن معلومات هذا العصر تتقدم بتفسير آخر أكثر مطابقة للظروف الطبيعية السائدة في مناطق انتشار المسيحية الأولى، وتلغي حدوث المعجزة في هذا الموضع على الأقل. وهو عمل يمكن أن يظل قاعدة لمحاولة مخلصة في البحث عن أبعاد الرمز في بقية النص.
ولعل الآيات القادمة تلقي مزيداً من الضوء على هذه النقطة:
(وتحسبهم إيقاظاً وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد).
وهنا ترد أول اشارة إلى ((النوم)) باعتباره عكس اليقظة. وترد بقية التفاصيل الخاصة بكلب الحراسة ومكانه عند المدخل في وضع محدد حافل بالحياة.
والسؤال المباشر: هل هذه طريقة القرآن المتميز بالإيجاز في سرد الحوادث الخارقة؟ وماذا تعني (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) إذا كان النص يقترح تفسيراً حرفياً؟
أنا أعتقد أن إجابة الأسئلة ستبدو أكثر يسراً وتحديداً عبر تفسير رمزي لكل وحدات الصورة.

هكذا كان الصادق النيهوم … شعلة من الافكار المتأججة في زمن مظلم ،،،

معلومات عن الصادق النيهوم في موسوعة الوكيبيديا ،،،

أبحث عن كتبه و إقراء و أفهم و تعلم ،،، لعل يوما ما يظهر صادق نيهوم جديد , بدم جديد , يوقد تلك الشعلة المطفئة ، وينير الطريق للأجيال القادمة …

فليرحمك الله أيه المبدع …

ضمن تصنيف أدب, أدباء ليبيين, عام | 8 عدد التعليقات »

بئر أطلانتس ،،، أسطورة ،،، و شيء من الحقيقة

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

عند زيارتي لليبيا الحبيبه منذ 3 سنوات وبعد غياب عن البيت سنتين متواصلتين  و أول ما أستفردت بنفسي في بيتنا هرولت مسرعا لغرفتي التي قامت والدتي العزيز ( عمتكم روزاليا ) بأغلاقها حتي لا يقوم أحد بالعبث بمحتوياتها و لا أريد أن أحدثكم عن تلك الرحله التي عبرت كل أروقت الزمن لدي عندما قامت تلك المركبتين المدعوتين بالعينين و قامتا بالتسابق من ركن الي آخر و من زاويه الي أخري تتراجع مع كل نقله أبواب الزمان والمكان لأسترجع لحظات من أروع و أجمل لحظات عمري و في أخر المطاف أستقرت تلك المركبتين أخيرا علي مكان أحبه كثيرا و أقدسه بشكل كبير فقد وقفت أمامه لساعات و ساعات أفكر أي عالم أريد أن أرحل معه و مع صاحبه ( أقصد المكتبه و الكتب و الكتاب ) عالمي الخاص جدا و مجموعه الكتب خاصتي تتمايل علي رفوف مكتبتي الكبيره و التي تتثاقل علي تلك المكتبه الكبيره لدرجة ألتوائها و أنحنائها من وقع وزن الكلمات وليس الكتب نفسها كان لوالدتي الدور الاكبر في وضع هذا الكم الهائل من الكتب في صومعتي ( حجرتي الخاصه ) لانها ضاقت درعا بما أجمع و أقتني من كتب تثقل عاهل باقي مكتبات البيت و رفوفهم لدرجه أنها قامة بعمل قمه في الغرابه ( لوحتهملي في جنان الحوش ) هههههههه وقالت وهي غاضبه تلعن هذه الهوايه التي تملكني ..( أنس شد عليا كتاباتك غادي عوجولي المكتبات متاع الحوش كلهم ، خلاص دبر، دير فيهم حل خلاص فاض بيا و مليت منك و من كتاباتك ورواياتك .. يا أشري مكتبه حطهم فيهم يا حطهم في صناديق منبيش نشوفهم في دارك حايسات بالشكل هذا!! ) .. ههههههه فقد أعتدت أن لا أنام قبل قرأة كتاب أو روايه و لفت نظري ذلك العدد الكبير من الروايات التي أملكها للكاتب الليبي ( أبراهيم الكوني ) ولم أعلم أني من عشاقه إلا بعد أن مرت عيناي علي الرفوف فقد تراصت بمجموعه كامله من كتبه و رواياته علي رفوف مكتبتي وبعض الكتب التي كنت أضعها تحت سريري ههههههههههههه نعم لا تستغربو هذا فقد يغلبني النعاس و أنا أطالع كتاب فيسقط مني ليتدحرج تحت السرير ليختبأ مني لانه مل وجهي العابس بسبب تكرار قرائة بعض الرويات أكثر من مره هههههههههههه ..

و أول أسم خطر في بالي عند رؤيتي هذه الرويات المتراصه هو أخي العزيز ( أحمد ) الذي  ( مروجتله كبيدته ) بأبراهيم الكوني و رواياته التي يمزج فيها بين القصه و الاسطوره و المواقف و ينقلك من حرف الي حرف و كلمه الي أخري بسلاسه غريبه و أحد هذه الاساطير الليبيه الجميله جدا هذه الاسطوره عن بئر أطلانتس فختطفت روايتين من المكتبه أولها ( البئر .. خماسية الخسوف ) و مجموعه قصقصيه رااائعه جدا بعنوان ( القفص ) و سأتابع معاكم سرد هذه المجموعه تباعا كل ما يسنح لي الوقت للكتابه فكلها قصص تستحق أن تجد من يلقي نظره متفحصه عليها و لن أجد أحد يهتم بهذا الجانب أكثر من أخوتي في هذا المنتدي الرائع لأهديهم هذه المجموعات القصصيه الرائعه …
و سأبدأ من أسطوره رائعه موجوده في رواية خماسية الخسوف الجزء الاول ( البئر ) أستوقفتني كثيرا أحداثها و أسمائها و ستعرفون بعد أنتهائي من السرد ما أعني بكل هذا الكلام و من الممكن أن أكون مخطأ و قد أكون أصبت كبد الحقيقه فلندع هذا لأخر النقل أخوتي الان لأنقلكم لعالم مسحور مليء بالاسرار عالم الاساطير …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(( كانت تانس مع أخيها أطلانتس ضمن الفتيات الثلاث اللاتي أبتلعهن الخلاء و ضعن في الصحراء مع إخوتهن في ذلك الزمان القديم . بحث الاهل عنهن وعن أشقائهن الصغار شهوراً كاملة فلم يعثروا علي أثر ، وعندما يئسوا لملموا خيامهم و رحلوا . أنتقلوا إلي صحارى أخرى بعيدة بحثاً عن الربيع و الأمطار و كلأ المواشي كما تعودوا أن يفعلوا دائماً في مثل هذه المواسم .

ولكان الفتيات أهتدين إلي البيوت بصحبة أشقائهن فلم يعثروا إلا علي الرماد . فآثار الرحّل في الصحراء لا يمكن الاهتداء إليها إلآ ببقايا الرماد .

جلست الفتيات بين بقايا الرماد يندبن ويبكين أياماً كاملة حتي أشارت عليهن تانس بأن السعي في الأرض بحثاً عن الأهل هو البديل .

أنطلقن في الصحراء الهائلة حتي قيّد الجوع أرجلهن أعمى بصرهن فاقترحت أمريس همساّ حتي لا يسمع إخوته الصغار :
- لم أعد أقوي علي المشي . لا بد أن نسد رمقنا بشيء . ليس أمامنا إلآ أن نذبح أخوتنا !
وافقتها تالا ، و رفضت تانس . قالت :
- أموت جوعاً ولا أذبخ أطلانتس .

وعندما هجم الليل قبلته في رأسه ، و احتضنته بين ذراعيها و حاولت أن تنام عندما سمعت حشرجة مكتومة ، نهضت مفزوعة فرأت أماريس تقف وفي يدها سكين يلمع تحت ضوء القمر فعرفت أنها قد نحرت شقيقها . ثم قامت تالا و تناولت السكين و همت بنحر شقيقها الذي جثا أمامها و سمعته يقول متضرعاً :
- لا تذبحيني . أنتظري . سوف نبلغ الواحة . و ربما أدركنا أهلنا قريباً . سوف نشبع من لحم الغزلان و الودان و الطيور البرية .. و سوف نرقص في أمسيات السمر الليلية كما تعودنا . و عندما تنضجين و تتزوجين الأمير القادم من (( تامنغست )) سأدعو مائة فارس يرقصون في عرسك علي المهاري البيضاء المزينة بسيور الدلد الملونة ، و آتي لك من الأدغال بأساور الذهب و الحلي و ريش النعام .. لا تذبحيني …

ولاكن تالا أسكتته بأن وضعت السكين في رقبته فأصدر أنيناًَ طويلاً أليماً .

أسرعت تانس تلتصق بأطلانتس و تحيطه بجسدها كأنها تحميه من السكين الرهيب الذي يلمع تحت ضوء القمر .

في الصباح قدمتا لها قطعتين من لحم أخويهما ، و لكن تانس لم تأكل اللحم ووضعت القطعتين ، خلسة ، في الجراب .

ثم واصلن مسيرتهن .

وعندما حل المساء ، وركنّ للراحة بدأت تانس تتعشى بالأعشاب البرية م أطلانتس . أتقربت منها تلا و قالت :
- لقد جعنا مرة أخرى . ليس أمام يا تانس إلآ أن تذبحي أطلانتس .
قالت تانس في فزع :
- لن أفعل !

قامت أماريس و صفعتها علي وجهها قائلة :
- أخرك ليس أفضل من أخوينا . لقد أكلت قطعتين . قطعة من أخي .. و قطعة من أخ تالا . هيّا .. عليك أن تعطينا الآن قطعتين من اللحم كما أعطيناك .. كل شيء بمقابل !

أخرجت تانس القطعتين من جرابها و قدمتهما لهما .

تضاحكت تالا و قالت بخبث :
- هل صدقت ؟ لقد كنا نمزح . اطمئني .. سوف لن نطلب منك ذبح أطلانتس مقابل القطعتين .

أنطلت الخدعة علي تانس هذه المرة و أكلت القطعة بعد أن قدمت الاخري الي شقيها الحبيب أطلانتس .

في الصباح واصلن المسيرة .

وعندما حل المساء عادتا تطالبانها بالقطعتين ، ولما أصرت علي ألا تذبح أطلانتس ضربتاها و شداتا شعرها و دفنتا وجهها الساحر الجميل في التراب دون أن يتسطيع أطلانتس الصغير المسكين أن يقدم لها المساعدة . و عندما فاض بها العذاب و افقت أن تمنحهما القطعتين . قالت أماريس في فرح :
- إذن سوف تقومين بذبح أطلانتس !
- لن أذبح أخي .
- وكيف ستريدن لنا القطعتين ؟
- سوف ترين .

تناولت السكين و قطعت قطعة لحم من فخذتها اليمني و قطعة أخرى من فخذتها اليسري و قدمتهما لهما ,

وربطت جراحها بقطعة من جلبابها ثم قررت أن تفارقهما إلي الابد .

واصلت تالا و أماريس مسيرتهما في طريق ، وواصلت تانس المسيرة في طريق آخر .. عجرجر رجليها المثخنتين ، المخضبتين بالدماء ، يسندها حبيبها الصغير أطلانتس حتي أبتلعهما الرمل الذي تمدد أمام البصر إلي ما لا نهاية .

بعد رحلة أيام اهتدت تانس إلي واحة صغيرة تقوم فيها نخلة باسقة فوق بئر ماء . مكثت هناك أياماً وشهوراً تقتات – مع أطلانتس – علي التمر و تشرب الماء حتي جاء يوم رأت فيه قافلة كبيرة يتقدمها فارس نبيل يبدو من مظهره أنه أمير .
سارعت تتسلق ، مع أطلانتس ، شجرة النخيل و تجلس بين أغصانها . رأي الامير وجهها الساحر في صفحة ماء البئر فأذهله جمالها و صاح يخاطب أتباعه و عبيده :

رأي الأمير وجهها الساحر في صفحة ماء البئر فأذهله جمالها و صاح يخاطب أتباعه و عبيده :
- هذه الحسناء . التي يعكس وجهها الماء ، ستكون زوجتي .. حتى لو كانت في السماء . حتي لو كانت في الحلم .. حتي لو كانت وهماً . لقد عقدت العزم علي أن تكون زوجتي إلي الابد .

وخاطبته تانس من فوق النخلة الفارعة :
- لن تتزوج تانس حتي يكون لأخيها أطلانتس جمل أبيض ضامر … و سيف من ذهب .
- لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .
- لن تتزوج تانس حتي يكون لحبيبها أطلانتس سرج مطرزّ بخيوط الذهب و الفضة .
قالت تانس .
-لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .
- لن تتزوج تانس حتي تضع تحت تصرف أطلانتس مائة من العبيد و عشرة من الأتباع .
قالت تانس .
- لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .
- لن تتزوج تانس حتي تضح تحت تصرف أطلانتس قافلة من النوق و الجمال و الرعاة .
قالت تانس .
- لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .
- لن تتزوج تانس حتي تتأكد أن أطلانتس سيظل بجوارها و لن يفارقها أبداً .
قالت تانس .
- لكِ ما أردتِ !
قال الأمير .

عندها نزلت تانس من فوق النخلة مع أطلانتس و قبلت أن تتزوج الأمير الذي قرر أن يستوطن تلك الواحة ، فأمر أتباعه و عبيده أن يغرسوا النخيل ، و يشيدوا البيوت ، و يزرعوا القمح و الشعير .

وعاشت تانس مع زوجها سعيدة . يرافقها حبيبها أطلانتس في رحلات الصيد في الخلاء .. يصطادون في الحرث الغزلان و الوعول البرية و الطيور ، يجلبون الكمأ في مواسم الامطار . و يسهمون في الحرث و الزراعة في الواحة أثناء الفراغ .

ولكن سعادة تانس لم تدم طويلاً . فقد التحقت بالأمير زوجته الأولي برفقة أمها في قافلة من الجمال و العبيد . و كانت امرأة شريرة حاقدة ما لبثت أن كرهت تانس و حسدتها علي جمالها الاسطوري . وشرعت تحيك ضدها المؤامرات و قد تعود الناس أن يأتوا إلي تانس في الليالي المظلمة ، و يركعون تحت أقدامها و يتوسلونها قائلين :
- يا تانس ! أكشفي عن وجهك ، و أضيئي لنا الليل البهيم . إننا نريد أن نحلب النوق علي ضوء وجهك الذي ينافس البدر !

فتزيح تانس اللفحاف عن وجهها الساحر و تنير الصحراء بجمالها فأثار ذلك زوجة الأمير الكريهة و قررت أن تدبر مؤامرة تتخلص بها من تانس بعد أن نهشت الغيرة قلبها . هجمت عليها مع أعوانها في إحدي الأمسيات و هي عائدة من حصاد الزرع ، و أوثقتها بالحبال و شدت شعر رأسها إلي صخرة هائلة ألقت بها في واد سحيق . و عادت إلي البيوت و جلست مكان تانس بعد أن لبست ملابسها و التحفت بلحافها . و عندما جاء الليل أقبل الناس وركعوا تحت أقدامها و توسلوها كما تعودوا أن يفعلوا :
- يا تانس ! اكشفي عن وجهك ، وأضيئي لنا الليل البهيم . إنننا نريد أن نحلب النوق علي ضوء وجهك الذي ينافس البدر !

ولكن المرأه الخبيثة رفضت أن تكشف عن وجهها لأنها تعرف أنها لا تستطيع أن تضيء به ليل الصحراء مثل تانس . أستغرب الناس ولكنها تذرعت بأن صحتها ليست علي مايرام . جلس بجوارها أطلانتس كما تعود أن يفعل في الأمسيات فشرعت تقرصه و توخز عجيزته بإبرة حادة فدهش و أحتج و أعلن للناس أن هذه المرأه ليست تانس . و لما لم يصدقه أحد قامت المرأه اللئيمة و قالت انها لم تعد في حاجه إلي أطلانتس المدلل و عليهم أن يتخلصوا منه حالاً . استغرب الناس . وأقبل الأمير و توسلها قائلاً :
-اعقلي يا تانس . لا يمكن أن تملّي حبيبك الصغير هكذا بين يوم و ليلة ، بعد كل ما فعلتيه من أجله .

ولكن المرأه الليئمة أصرت قائلة :
- لقد مللته و قررت أن أتخلص منه . عليكم أن تفعلوا ذلك أمامي الآن !

هم الناس بتنفيذ الإعدام في أطلانتس .
ولكن أطلانتس الذي شك منذ البداية في أمر هذه المرأه توسل قائلاً :
-سمحوا لي أن أنادي ثلاث مرات . ولتكن هذه رغبتي الاخيرة قبل تنفيذ حكم الموت .
- لك ما أردت .
قال الأمير .

وقف أطلانتس فوق المرتفع و نادي بأعلي صوته :
- تانس ! تانس ! إن أطلانتس في طريقه إلي المذبح !

فأجابه صوت تانس من الوادي كأنه يأتي من بئر عميق :
- وماذا تستطيع تانس أن تفعل لأطلانتس إذا كان رأسها مشدوداً إلي صخرة ، وصدرها يرزح تحت صخرة أخري !

فهرع الناس يتقدمهم الأمير إلي الوادي ، و خلصوا تانس من أسرها و نجا أطلانتس من حكم الموت . وضع الناس الحكم علي المرأة المجرمة في يد تانس فأتت بجوادين يركبهما معتوهان ، شدت رجل المرأة اليمني إلي جواد ، و رجلها اليسرى إلي الجواد الأخر ، و انطلق الجوادان في اتجاهين متعاكسين فتمزقت المرأة إلي نصفين ، دستهما تانس في وعاء كبير و بعثت به إلي أم المرأة .

ولكن الأمير أيضا بدأ يشعر بالغيرة من أطلانتس ، فاستدرجه لإحدى رحلات الصيد و أوثقه إلي شجرة طلح و تركه في الصحراء فريسة للذئاب المفترسة و عاد إلي تانس و ادعي أنه ضاع في الخلاء . ولكن تانس التي أحست بمشاعر زوجها نحو شقيقها جمعت الاعوان من الاتباع و العبيد و خرجت تبحث عنه في محيطات الرمال المجاورة . أدركته قبل أن تهاجمه الذئاب ، ولكن العطش كاد يفتك به .

عادت تانس إلي البتوت و قررت أن تنتقم من الامير الذي خدعها و حاول أن يسلبها أطلانتس ، فاقترحت عليه أن تحلق له شعره . ولكنها بدل أن تقطع شعره قطعت رأسه !

نصبت تانس نفسها أمرية علي الواحة التي بدأت تنمو و تكبر و تصبح مركزاً لتجار القوافل الذين يفدون من مدن الشمال في طريقهم إلي أدغال القارة محملين بالأقمشه و الملح و التوابل و الدقيق لمقايضتها بالذهب و ريش النعام و سن الفيل و الاحجار الكريمة و جلود الزواحف والحيوانات .

ازدهرت الواحة الصغيره و كبرت حتي أصبح يطلق عليها (( جوهرة الصحراء الكبرى )) .

وكان أطلانتس قد ولع بالصيد حتي لم يستطيع أن يبقي يوماً واحداً في الواحة . يحمل أمتعته علي جملين أو ثلاثة و ينطلق إلي العراء في الصحراى المجاورة ويمكث هناك أياماً و أسابيع تمتد حتي الشهر أحياناً ، يتسلي بصيد الودان و الغزال و الطيور . وفي إحدي الرحلات غاب أطلانتس ما يزيد علي الشهر فقلقت تانس و أرسلت الأغوان للبحث عنه و لكنهم عادوا بعد أيام دون أن يعثروا له علي أثر .

أنزعجت تانس و أنطلقت نفسها في موكب من العبيد و الاتباع يبحثون في الصحاري طولاً و عرضاً حتي وجدته تحت سدرة ضخمة ميتاً من العش بعد أن تاه في محيط الرمال العظيم .

حزنت تانس و بكته أياماً و أسابيع ، وعندما دفنته ركعت فوق قبره علي ركبتيها و فاضت آلامها و قالت في بكائيتها الشهيرة :
(( أحببتك كما لم تحبك أمك التي ولدتك ، أطعمت تالا و أماريس قطعاً من لحمي حتي لا تنهشان لحمك .. احتضنتك بين ذراعي عندما كنت اشرف علي الموت جوعاً دون أن يخطر ببالي أن نمس بأذي كما فعلت تلا و أماريس بأخويهن . تزوجت الأمير بعد أن نفذ شروط حصولك علي ماشئت من أدوات الفرسان و النبلاء . و مزقت زوجته إلي نصفين لأنها أرادت أن تنفذ فيك حكم الموت . و قطعت رأس الأمير لأنه ألقاك للذئاب و أراد أن يفتك بك . فعلت كل شيئ من أجلك . وعاقبت كل من سولت له نفسه أن يمسك بسوء ، ولكن الصحراء غلبتني ، وانتزعتك مني . فتبا لكِ ايتها الصحراء الكبرى .. ما أقساكِ ! ولكن أقسم أنني سوف انتقم لك من الصحراء أيضاً . فاهناً في نومك الأبدي ، لأنه لن يهدأ لي بال حتي تغمر المياه رفاتك في القبر .. و قتها تستطيع أن تقول أن تانس قد وفت بوعدها )) .

ويقول الأولون أن تانس عادت إلي الواحة في ذلك اليوم و اجتمعت بتجار القوافل و أرسلت في طلب المنجمين و العرافين و خبراء الفلك و قراء الغيب وذوي العلم من كل أنحاء الأرض ، من سواحل الشمال البعيد شمالاً و من ما وراء نهر النيجر جنوباً ، و من تمبكتو غرباً حتي وادي النيل شرقاً و قد وعدت أن تجزل لهم العطاء ، و حملتهم بأكياس الذهب و الاحجار الكريمة و قطعان المواشي جزاء من يستطيع أن يدبر لها أمر قهر الصحراء بتفجير منابع الماء وفاء بوعدها لحبيبها أطلانتس .

وقد جاءها الرسل و الخبراء و المنجمون و قراء الغيب و ذوو العلم من جهات الدنيا الأربع طمعاً في المال و جرياً وراء بريق الذهب فجمعتهم و قالت لهم :
- (( قررت أن أغزو الصحراء الكبرى بالماء . و أريدكم أن تدلوني ، بعلمكم و خبرتكم علي المكان الذي يصلح لأن يكون نبعاً يروي عطش محيط الرمال ، و يجعل منه جنة خضراء . لا بد أن تتحول قارة الصحراء إلي جنة خضراء )) .

وعدوها خيراً ، وطلبوا مهلة للتشاور و أستشارة الغيب و النجوم و الكواكب الأخري و أجمعوا علي أن يتم الحفر في نقطة تبعد مسافة شهر و نصف شمال الواحة ، تحت الجبل ، و أكدوا أن تلك النقطة هي قلب العالم و مركز الكون كما حدثتهم الكواكب و النجوم ، وقال أحد المنجمين القادمين من بلاد الهند البعيدة أنه قرأ ذلك في صفحة وجهها الساحر المرتبط بأجمل كوكب هو القمر برباط خفي لا تعلمه إلا النجوم ، و تنبأ لها بأن المياه سوف تتدفق و تغمر الدنيا طالما بقي وجهها يدب و يسطع فوق سطح الارض . ولكن المياه سوف تختفي باختفائها من الوجود ، و مقاومتها هي تحد لإرادة الآلهة لأنها ظلها علي الارض ، و لا تسمح بتحدي إرادتها إلآ لمن أصطفت و أختارت و نفخت فيه من روحها من دون الكائنات الأخرى .

إنطلقت تانس علي الفور إلي المكان الذي حدده العرافون و قراء الغيب ليكون مصدراً للنبع الذي سيغمر الصحراء الهائلة بالماء و الحياة ، و أمرت رعاياها بالحفر ليلاً نهاراُ بلا توقف . ابنثقت المياه بعد عام من الحفر المستمر ، و تدفقت عبر الصحراء ، تكتسح السهول الجرداء و تغمر الرمال القاحلة ، و تغزو البيداء الأبدية ، فتكونت الأنهار ، و انتشرت البحيرات ، و نمت غابات الكروم و الزيتون و العنب و كل انواع الفواكه ، و نبتت المزروعات و الاعشاب والاستوائية الخضراء و بدت السهول المكسوة بالخضرة مثل بسط من السجاد العجمي الاخضر ، فارتوى رفات أطلانتس ، و ارتوت معه أعماق الصحراءالكبرى العطشى منذ قرون و قرون و قرون .


تنفست تانس الصعداء و قالت في نفسها :
- (( الآن أستطيع أن أقول لأطلانتس أنني وفيت بوعدي ، و سقيت رفاته ، و انتصرت علي الصحراء القاسية التي انتزعته مني وهو في عنفوان شبابه )) .

ولكن تانس الجبارة لم تكتف بتفجير النبع الذي يخترق الآن الصحراء بالأنهار والمستنقعات ويغمرها بالبحيرات و الأدغال . فبعد أن أطلقت علي البنع أسم (( أطلانتس )) قررت أن تشيد المدن و تبني الجسور و السدود ، و تصل الواحة بالنبع في مدينة واحدة هائلة . وقد استطاعت أن تجعلها مركزاً لمضارب التجار ، و تبادل البضائع ، و تجارة الرقيق و الذهب و الاحجار الكريمة و التوابل و الصناعات و الجلود . فازدهرت المدينة و شيدت القصور و البيوت ذات المعمار البديع ، و أصبح يرتادها العلماء و الخبراء و المنجمون من كل أنحاء الأرض .. و امتدت المدينة من نبع (( أطلانتس )) حتي الواحة متواصلة علي مسافة شهر و نصف و أطلقت عليها أسم (( أطلانتيدا )) الأفاق ، و جاء الناس من وراء البحار والأنهار و المحيطات بعد أن أصبحت منارة للعلم و الحضارة و قبلة لكل من ينشد العلم أو يتوق للمعرفة ، و أصبح يقال بأن أطلانتيدا هي جنة الله علي الأرض ، و من لم يزرها فأنه لم يعش في هذه الدنيا ، فتقاطر عليها الناس من كل صوب حتي كبرت و أتسعت و أمتدت حدودها حتي المحيط غرباً و ما وراء النيجر جنوباً و البحر شمالاً و نهر النيل شرقاً . وقد جعلت للنساء سلكة علي الرجال الذين لزموا البيوت فتلثموا خجلاً في حين قاتلت النساء و جئن بالأسرى .
أخضعت الملكة تانس بجيشها القوي الجبار الأمصار و الأقطار ، الشعوب و القبائل ، البعيدة و القريبة . و تربعت علي عرش الامبراطورية أربعين عاماً .

وعندما ماتت حدثت حركة غريبة في نظام النجموم ، و قادت الكواكب الأخري حملة ضد القمر ، فحدث ما يسمي بـ (( الخسوف )) لأول مرة كما يؤكد المنجمون من أهل الخبرة و العلم ، فهبت الأعاصير العاتية و العواصف المحملة بالغبار كنتيجة لصراع الكواكب بعد أربعين يوماً بالضبط من وفاة سليلة القمر تانس العظيمة ، و استمرت العواصف و الرياح أربعين يوماً بلا أنقطاع ، حتي غمرت الامبراطورية كثبان الرمال ، و أغرقت الغبات و الأنهار و المدن بموجات هائلة من الاتربة المتصاعدة ليل نهار ، و أبادت المواشي و قطعان الإبل و الحيوانات البرية ، و دمرت المعمار فهرب السكان طلباً للنجاة من طوفان الرمال . لجأوا إلي المدن البعيدة المجهولة وراء البحار و المحيطات . وعادت الصحراء تزحف علي الصحرا ، قاسية ، متجبرة ، متسلطة ، تسيطر علي الدنيا كما في سابق عهدها و اندثرت (( أطلانتيدا )) منارة العلم و الحضارة . و بقي (( بئر أطلانتس )) رمزاً بائساً لهذه الحضارة الخرافية التي لمعت فجأة و أنطفأت فجأة . و ظل البئر ملجأ للرعاة و عابري السيبل ، تنزح مياهه فهياجرون إلي الواحات المتناثرة هنا و هناك ، تطفو المياه فيعودون إليه ، و يقيمون حوله دون أن يجدوا تفسيراً لظاهرة اختفاء المياه التي تحدث ، حسب مما تتناقله الأجيال ، كل ثلاثمائة عام . و يؤكل البعض في قصصهم أن لاختفاء المياه في البئر علاقة مباشرة بعدد مرات التي يحدث فيها خسوف القمر في العام الواحد . أما قارة (( أطلانتيدا (( العتيدة فقد اختفت بعيداً في جوف الارض ، بعد طوفان الرمال الرهيب .

النهايــــــــــه .. f3.gif

* أحد مواضيعي في منتدي أويا ,,,

ضمن تصنيف أدب, أدباء ليبيين | 3 عدد التعليقات »