بسم الله الرحمن الرحيم
تمر علي الإنسان فترات عصيبة ومواقف مؤلمة في حياته القصيرة ، وأصعبها بالنسبة لي – علي الأقل – عندما يودعنا شخص قريب جدا للقلب و الروح ، وفي هذه المدة القصيرة تراكمت هذه الأحزان، ابتدائا من فقدان أعز أصدقائي و مروراً بموت جدي النرويجي، وتصل إلي الذروة برحيل أمي العزيزة ( خالتكم روزاليا ) ، وبهذا الفصل الأخير من حياتها يسدل الستار ليسلط الضوء علي حياة هذه المرأة المناضلة والتي أفنت حياتها لتربيتنا و تربية أجيال عديدة في مدينة الزاوية – 45 كلم غرب العاصمة الليبية طرابلس – أبلة خيرية الفورتي ، هي والدتي ووالدة الكثيرين في مدينتنا التي نعيش بها ، جاءت واستقرت مع والدي رحمه الله منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما بعد حصولها ووالدي علي الشهادة الجامعية من مدينة القاهرة في بدايات الستينات مع مجموعة كبيرة من الطلبة العرب ، عاشوا أحلام كل الشباب في تلك الفترة من الزمن العصيب ، عمل والدي رحمة الله في مشروع كان الأول من نوعه في ذلك الوقت تحت مسمي مشروع التنمية العربية ، كانوا شبابا يملؤهم الطموح و الحنين للوطن للبدء في العمل و إعمار بلداننا التي عانت في تلك الفترة من الاستعمار و التجهيل ردحاً طويلاً من الزمن!
عندما قرر والدي رحمه الله العودة والاستقرار في ليبيا ، أختار مدينة الزاوية لعدة أسباب ، أهمها أنها تقع في منتصف المسافة بين مدينة طرابلس مسقط رأس أمي رحمها الله و مدينة العجيلات مسقط رأس والدي رحمه الله !
وفي خلال هذه الفترة ومع بداية تكون المدينة المدنية في مدينة الزاوية سطع نجم والدي ووالدتي في مجتمع تغلب عليه القبلية وتطبع قالبا خاصا جدا ! خصوصا أنهما غريبان عن هذه المدينة التي أعشقها حتى النخاع !
أستمر كفاحهما معا لبناء بيت في هذه المدينة الرائعة بأهلها ، وزاد احترام الناس لهما لتفانيهما في خدمة هذه المدينة ، فوالدي الأستاذ الفيتوري العجيلي كان من بين المؤسسين لنقابة المدرسين في مدينة الزاوية و كان أيضا من بين الموجهين في إدارة التعليم أيضا ! بينما كانت والدتي رحمها الله من بين أوائل المدرسات في تلك المدينة، إلى جانب عملها في جمعية الزاوية للتدبير المنزلي وإشرافها علي تعليم العديد من نسائها مهارات الحياكة و التطريز و الطبخ في ذلك الوقت.
أتذكر عندما كنت صغيرا أن بيتنا الواقع في قلب الزاوية كان مكانا يجتمع فيه نخبة المثقفين و المتعلمين رجالاً ونساءً من كل الجنسيات العربية و العالمية ، وحلقات النقاش والحوار ( الديني و السياسي و الأدبي والفني ) هي ما تربت عليه أذاننا في ذلك الوقت ، وفي نفس الوقت محطة انتظار أو نقطة استراحة للمسافرين من والي طرابلس والعجيلات والمدن المجاورة ، حتى أنه كان مقر أقامة أهلنا وأبناء أصدقاء عائلتنا من كلتا المدينتين أيام الدراسة في ثانوية الزاوية الثانوية قديما و جامعة السابع من أبريل حديثا قبل افتتاح الثانويات والجامعات في ربوع المنطقة الغربية وعلي نطاق واسع الآن .
لا أريد الإطالة و الاستفاضة في الحديث ،،، لكن الحنين إلي الماضي بكل فصوله السعيدة و الكئيبة تجعلني أفرغ ما في جعبتي من ذكريات …. فأعتذر مسبقاً !
والدي الفيتوري العجيلي المهندس الزراعي و مدرس مادة الكيمياء في مدرسة الشيباني بن نصرات في أخر أيامه قبل التقاعد و الموجه في برنامج محو الأمية و التنمية الاجتماعية قديما في مدرسة إمحمد العجيل كان أحد أعلام التعليم و التربية في مدينة الزاوية ، يكفيك ذكر أسمه حتى تسمع بأحد الطلبة يصرخ ( وحش الكيمياء ) وهي الكنية التي كان الطلاب في ذلك الوقت تطلقها عليه !
والدتي خيرية الفورتي مدرسة مادة التدبير المنزلي و العضو المؤسس لإحدى الجمعيات التي تعنى بتعليم النساء مهارات الخياطة و التطريز و الطبخ وغيرها من المهارات التي تحتاجها المرأة داخل منزلها وخارجه ، و صاحبة مشغل خياطة سطع نجمه لسنوات كان شغل والدتي الأول و الأخير لإظهار إبداعاتها في هذا المجال حتى انتقالنا للإقامة في فيلا في ضواحي مدينة الزاوية مما جعل من استمرارها في ذلك المشغل شاقا فقررت إقفاله و الاهتمام بمنزلنا بدلاً عنه !
ورثت الكثير من والدي ووالدتي رحمهما الله , حب الرياضة و الزراعة و الهوايات المختلفة , وعن والدتي اكتسبت المهارات المنزلية الأخرى … وكما يقول المثل الشعبي الشهير (فرخ البط عوام ) كان هذا ما اكتشفته مؤخراً في شخصيتي وميولاتي المختلفة و المتنوعة !
وكما سبق وذكرت الحياة مليئة باللحظات السعيدة و بالمقابل هناك لحظات تعيسة و حزينة يجب علي المرء المرور بها أو التوقف عندها ، لحظات سعيدة أذكرها بكل حب و سعادة و أخري حزينة تدمع عيني لمرورها وصورها إمام عيني بين الحين والآخر!
أعود مره أخري لصلب الموضوع الذي ذيلت تدوينتي هذه به ، وهو رحلة عذاب استمرت قرابة السنة ، لا ليست سنة ، بل أكثر من سنة إن لم أكن أبالغ في تعداد السنوات ، فحسبي أن والدتي فقدت إحساسها بالزمن بعد رحيل والدي رحمة الله عنها منذ ست سنوات في رحلة عذاب أخري لم أكن أعلم عنها الكثير بسبب معيشتي خارج ليبيا ذلك الوقت و عدم أخباري بحالة والدي الصحية حتى لا أنشغل عن دراستي … و بعد رحيله لم أسجل ذكري له علي صفحات مدونتي ( لسبب بسيط جدا أن مدونتي لم تخرج للنور في ذلك الوقت ) .
كما سبق و قلت أن صعوبات الحياة وفي فترات مختلفة من الزمن جعلت من حياة والدتي شاقة بعض الشيء وخصوصا بعد غياب والدي الذي رحل فازدادت المسؤوليات علي عاتقها، ولولا شخصية أمي القوية و خبرتها الطويلة في الحياة لانهارت في وقت قصير ، لكنها استمرت في العطاء و التضحية من اجل أبنائها و استمرت الحياة ولكن بشكل مختلف عن السابق !
في خلال السنتين الأخيرتين كنت قد قررت تغيير نمط حياة أمي و البحث عن طريقة لإخراجها من تلك المحرقة الذاتية ، فكنت أقوم بتحضير إجازتي مع والدتي في أحد الدول القريبة من ليبيا حتى لا أتعبها في السفر ، ولأضفي الجو العائلي أقوم بعزيمة أختي وزوجها و أبنائهما حتى يتسنى لامي الحديث معها بدلا من المكوث وحيدة بين الفينة والأخرى!
ومن هنا بدأت معاناة والدتي العزيزة رحمها الله ! أو اكتشافي لمعاناتها مع المرض ، فخلال رحلاتنا العديدة كانت تشتكي من ألم في الصدر و الأطراف ، وكان تعليلي أن هذا نتاج حركتها الدائمة مع وزنها الزائد بعض الشيء ( زي كل الليبيات ) ، لكن في رحلتنا العام الماضي لتونس قررت أن أقوم بإجراء تحاليل شاملة لامي…وكانت هنا المصيبة و الطامة الكبرى عند احتكاكي المباشر بالمستشفيات و الأطباء في تونس… اكتشفت كم نحن مغلوبون علي أمرنا ، وأن بلدنا الأغنى في أفريقيا هو أسوء مكان للعلاج و معرفة أسباب أي مرض حتى أعراض الأنفلونزا تصعب علي مستشفياتنا السعيدة معرفتها و تحديدها و أعطاء الدواء المناسب في مثل هذه الحالات…وكنت بصدد كتابة موضوع خاص أو تدوينة خاصة عن حالت وتردي مستوى الطب و العلاج في ليبيا والرحلات العلاجية التي يقوم بها الليبيون إلي تونس ، ومقدار استغلال الأطباء هناك للحالات القادمة لهم و الموضوع سيتشعب فلنتركه علي جنب و نعود مره أخري لرحلة عذاب أمي رحمها الله !
السنة الماضية كنت قد قررت السفر لتونس الشقيقة ، تحديدا العاصمة تونس و المناطق الشمالية من الخضراء ، ولأول مره في حياتي أقابل طبيباً محترماً و خريج جامعه فرنسية عريقة و بروفيسور مشهور في طب القلب يأخذ إكرامية ( بخشيش ) عن عمل يتقاضاه، مفاجئة أليس كذلك؟ وبعد هذا المشهد الرائع أخبرت أمي أنه لا داعي للاستمرار مع هذا البروفيسور لأنه من الواضح و الجلي مقدار خبرته ( في امتصاص دماء المرضي ) ظاهر للعيان ولا حول ولا قوة إلا بالله !
الغريب في الأمر أن مرض والدتي لم يعرف له سبب ، فكل طبيب يقول شيء مختلف ، فمنهم من قال أنه خلل في جهاز المناعة حيث يتأثر الجسم بأمور كثيرة حوله و تزداد الحساسية ظهورا علي السطح ، و الآخر يقول أن لديها زيادة في نسبة الترسيب في الدم تجعل من جسمها يتأثر بشكل كبير باختلاف درجة الحرارة خصوصا في فصل الشتاء ، و أخر ما تم تحديده أن لديها مرض القلب وتحتاج لعملية القسطرة ، و احتمال كبير أنه تشوه خلقي ، الخ الخ الخ !!!
أستمر الوضع علي هذا الحال لقرابة السنة , كل طبيب يقول شيء , و التحاليل التي يتم إجرائها تعطي نتائج مختلفة في كل مرة , أو بالأحرى لا تعطي أي نتائج بالمرة !
أخر ما قامت به مع ازدياد ارتفاع درجة حرارتها و الحمى المفاجئة بين الفينة و الأخرى لدرجة يصعب السيطرة عليها , قامت بإجراء اختبارات أكثر جرأة من غيرها ، فكان اختبار إصابات السرطان في الجسم , و النتيجة أيضا كانت سليمة ، فاحتار أخوتي في الأمر !
استمر هذا العذاب ( المرمدة و التبهديل ) لقرابة السنة أو أكثر ، أحببت أن أحضرها لدي هنا لكن الأجواء باردة جدا لا تستطيع احتمالها و طول الرحلة أيضا كان له الدور الأكبر في عدم تشجع أمي لهذه الرحلة !
أخيرا تم الاستقرار علي السفر للأردن, لكن أمي رحمها الله أصرت علي السفر لمصر، هناك معارفنا و أهلنا وبالمرة أزورهم لاشتياقها لهم!
جاءت الرحلة سريعة و بدأت الأمور تتضح في مصر من قبل أطباء مشهورين من معارف أصدقائنا في مصر، و النتيجة كانت كالآتي:
أمي لديها تورم في الطحال ، و أورام صغيرة في الغدد اللمفاوية ، أدي إلي أن الدم لا يقوم بوظائفه علي أكمل وجه ، و الخطوة القادمة ستكون عملية لاستئصال الورم و أخذ عينات من باقي الغدد اللمفاوية المنتشرة في الجسم !
تم أجراء العملية و بحضورنا جميعا ( فقد سافرت علي أول رحلة صادفتني للقاهرة لأكون مع العائلة في هذا الظرف الطارئ ) فقد كان الفضل الأكبر في تأخري عن السفر بركان أيسلندا الظريف الذي شل حركة الملاحة الجوية علي فترات متقطعة ، لأصل صباح يوم العملية ، تمت العملية بنجاح و خرج الطبيب مستبشرا خيرا , التحاليل أثبتت أنه نوع بسيط من أنواع السرطان الذي يتم القضاء عليه من ثاني جلسة علاج كيميائي !
الموضوع بسيط إلي حد الآن , لكن ظروف أمي النفسية و غربتها ( مع أنها تشعر بأنها في بلدها خصوصا أن أعز أصدقائها وأحبابها من حولها ، حتى خالتي زينب الأخت الصغرى و المتبقية من عائلة أمي جاءت خصوصا لحضور العملية ) ….
تم الاتفاق علي عدم أخبار أمي رحمة الله عليها بمرضها، لكن الحرارة لم تنخفض يوما، فتزداد ساعات و تنخفض سويعات علي مدار اليوم …. إلي درجة أنه في أحد المرات وأنا جالس أمام والدتي قالت لي ( والله طبت و تمروجت كبيدتي …. ربي حيدخلني الجنة طول مع العذاب الي نشوف فيه ) … آمين يا رب قلت في نفسي!
ننتظر بفارغ الصبر التأم الجرح و العودة لليبيا للبدء في العلاج الكيميائي , لكن قدر الله وما شاء فعل , فكانت أخر لحظاتها هناك في مصر , حيث وللمصادفة التي اكتشفتها أن أول بكر لأمي كانت فتاة أسمها هالة لم تبلغ الشهور ذلك الوقت و انتقلت إلي رحمة الله وهي رضيعة في مصر ودفنت هناك , وحسبي أن أمي كانت تعلم بقرب منيتها و أحببت أن تكون بقربها !
نعم انتقلت إلي رحمة الله والدتي العزيزة , انتقلت إلي الفردوس الأعلى بعد صراع طويل مع المرض , لكن كان سبب موتها مرض القلب حيث شاء قلبها أن يتوقف فجأة ، وكأنه يعلن أنه لا يستطيع المقاومة أكثر و تحمل كل هذا العناء !
دفنت بجانب والدي في ليبيا في مدينة العجيلات بعد العصر ثاني يوم موتها وقبل صلاة المغرب في حشد لم أري مثيلا له قبلا ! أحسست معه أني فعلا فخور بهذه المرأة التي أعطت الكثير ولم تبخل علي احد صغيرا كان أم كبيرا من جهدها ووقتها ومالها !
كم أنا فخور بك يا أمي, وكم وددت أن تفخري بي و تكوني معي في كل لحظات حياتي !
أشتاق لك يا أغلي إنسانة في حياتي , ستبقين المثل الأعلى لي عند اختياري لشريكة حياتي ! فلن تسعدني امرأة إن لم تكن في مثل مواصفاتك و طيبت قلبك و حنانك حتى لو بقيت طوال عمري أعزب وأجتر الذكريات وأنا بين أحضانك !
اللهم أرحمها و أفغر لها و ثبتها عند السؤال ويوم الحساب يا رب العالمين, واجمعني بها و بالحبيب المصطفي في جنات الخلد يا أرحم الراحمين يا رب!
السؤال الذي أحببت أن أختم به هذه التدوينة ,,, إلي متى سيبقى حال مستشفياتنا و الطب بهذا الشكل ؟ إلي متى سيبقى المواطن الليبي يلجئ لدول الجوار لتلقي العلاج وبلدنا تسبح علي بحيرة من النفط و الغاز الطبيعي ؟؟؟؟ إلي متى سيبقى حال المواطن الذي يفني نفسه وحياته وعمره لخدمه هذا البلد و بالمقابل يدفع كل مدخراته و حتى ما ورثه من عائلته ليعالج نفسه و أولاده وبناته في الخارج ؟؟؟
إلي متى سنبقى صامتين علي هذا القصور و التقصير ؟؟؟
حسبي الله ونعم الوكيل في كل من يقصر في أداء واجبه و أمانته ! حسبي الله ونعم الوكيل !





